منذ مطلع تسعينات القرن المنصرم (العشرون ) بدا ان مصطلح العولمة سوف يشغل بال الباحثين على مختلف الاصعدة فالسياسي والاقتصادي والمفكر والاعلامي والى ما في القائمة كل بدأ يدلي بمالديه حول هذا المصطلح.

 وازداد المجال مع المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وظهور مصطلح صدام الحضارات ونهاية التاريخ وفي نهاية الامر الحديث عن حوار الحضارات وعلى كل حال الحامل لهذه المصطلحات لها كان الاعلام الذي بدا وكأنه سلطة عالمية لا تقاوم الا بالمزيد من الانفتاح ومتابعة كل ما هو جديد واعداد الخطط اللازمة التي لا تتوقف وتتيبس عند قوالب جامدة.‏

وما اريق من حبر حول العولمة ومن ثم حول ا لعلاقة بين الاعلام والعولمة ربما كان كافيا لان ينجز موسوعات وان يرفع من مستوى الاعلام العربي الى مكانة عالية لو ان التنظير الذي كنا نقرؤه اخذ جزء منه طريقه الى حيز التنفيذ فما من دورية او مطبوعة يومية او اسبوعية او شهرية تهتم بالشأن الثقافي والفكري الا وخصصت -وبشكل دائم - جزءا من مقالاتها وابحاثها للحديث والتنظير للاعلام وكأن اعلامنا لا يحتاج الا الى منظرين دون تقديم برامج وخطط عن ارض الواقع تدفع بهذا الاعلام وتأخذ به لتحقيق ولوجزءا مما ينظرون له .‏

وبعيدا عن هذه الاطلالة نتوقف عند ملف هام خصصته مجلة ( شؤون عربية ) في عددها 121 ربيع 2005م الملف جاء تحت عنوان:(الاعلام العربي والعولمة ) وقد تضمن هذا الملف ثلاثة ابحاث هي الاعلام العربي وتحديات العولمة . - مستقبل الاعلام العربي عولمة الاعلام ومواجهتها .‏

ظروف الواقع العربي وانعكاساته على توجهات الإعلام‏:

في بحثه المعنون ب¯ (الاعلام العربي وتحديات العولمة ) يتوقف د. ياسين خضير البياتي عند معطيات اساسية تتعلق بواقع الاعلام العربي ففي الحديث عن الخريطة الاعلامية العربية : ارقام ودلالات, يشير د. البياتي الى ان الاقطار العربية تأتي في ادنى السلم في استهلاك المواد الاعلامية وتبلغ حصة العرب من سكان العالم 5.4% ولكن حصتهم في الصحف اليومية وفي الكتب المنشورة تبلغ اقل من ربع حصتهم من مجموع سكان العالم في حين ان الاوروبيين تزيد حصتهم من الصحف اليومية عن نسبتهم من مجموع سكان العالم اكثر من ستة اضعاف ولا يتقدم العرب على الآسيويين سوى بحيازتهم على نسبة اكبر من اجهزة المذياع .‏

وتقول الاحصاءات انه بين الف مواطن عربي نجد 20 منهم يقرؤون الصحف في حين ان المعدل الدولي يبلغ 130 ويبلغ توزيع اجهزة الاستقبال 120 جهازا لكل الف مواطن بينما ترتفع اجهزة التلفاز في الدول الغنية الى 404 أجهزة لكل الف مواطن.‏

وتعتبر وسائل الاعلام من اهم آليات نشر المعرفة ولكن ما زال الاعلام العربي ووسائط الوصول اليه وبنيته التحتية ومضمونه يعاني من الضعف والقصور ما يجعله دون مستوى التحدي في بناء مجتمع المعرفة فعدد الصحف في البلدان العربية يقل عن53 لكل 1000 شخص مقارنة مع 258 صحيفة لكل 1000 شخص في البلدان المتقدمة .‏

ويخلص د. البياتي في بحثه الهام الى القول: ان الاقطار العربية لاتزال دون مستوى الطموح على الرغم من التطورات التي حدثت في وسائلها الاعلامية من الناحية التكنولوجية فهي لا تزال بحاجة الى جهود علمية منظمة لرفع الكفاءة الفنية والتقنية لهذه الوسائل وصولا الى المستوى الدولي المتطور .‏

حقائق خطيرة..‏

وحين يجري د. البياتي مقارنة بين واقع الاعلام العربي والعالمي يصل الى تأكيد الحقائق التالية:‏

1- تمركز المصادر الاعلامية والثقافية من حيث الانتاج والتوزيع بكافة أشكاله في الدول التي تحتكر مصدر القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية.‏

2- ان التدفق الشامل للانباء يأخذ طريقه من العالم الصناعي الذي يضم ثلث سكان العالم الى العالم الثالث الذي يضم ثلث سكان العالم وان 80% من الانباء الموزعة يوميا في العالم تتولى انتاجها وكالات عالمية لا يتجاوز عددها ضمن وكالات فقط.‏

3-الدعاية الثقافية المضادة الموجهة من دول الشمال الى دول الجنوب وما يترتب عليها من سيطرة الثقافة الغربية وتهديد الثقافات المحلية والتي تؤدي الى تكريس اخطر اشكال الاستعمار الاعلامي .‏

4- تجاهل وسائل الاعلام الغربية لاخبار بلدان العالم الثالث والتحيز في نقل الاخبار من هذا العالم المتقدم وبالعكس.‏

اختلاط المفاهيم:

يرى د. البياتي ان المفهوم التقليدي بقي يشكل قاعدة هامة في منهجية الاعلام العربي وتوجهاته ووظائفه بحيث اختلطت المفاهيم والمنهجية في سياقات نمطية ادت الى افراز معطيات اصبحت من التقاليد اليومية للخطاب الاعلامي ومن هذه المعطيات:‏

ان العرب يتناولون الاعلام في سياقه السياسي اكثر مما يتناولونه في سياقه الحضاري سواء أكان ذلك على الصعيد الوطني او القومي او الدولي .‏

الاعلام العربي الداخلي ليست له في الاقطار العربية تقاليد سوى قاعدة واحدة مطلقة وهي ذات شقين : النظر الى المواطن العربي على انه غير جدير بالثقة والنظر الى رجل الاعلام على انه اداة للتصفيق الحاد .‏

- الاعلام العربي لا يزال في مجموعه يرى في الاعلام الخارجي امتدادا للاعلام الداخلي ولاتزال جميع صور الاعلام تخضع لمنطق واحد اساسه منطق الاتصال الداخلي .‏

- الاعلام العربي يتمركز في العاصمة والمدن الكبرى فحيث السلطة يوجد الاعلام فالاعلام حضري ولا يشبع رغبات واذواق واحتياجات اهل الريف الذين يشكلون ا لاكثرية في المجتمع العربي.‏

ومن أجل الوصول إلى الناس لا بدمن توفر الشروط التالية: الخطة - التغطية الاعلامية - الصدق- التعددية.‏

وخلاصة ما يذهب اليه د. البياتي هو ان التحديات الكبيرة التي تواجه الاعلام العربي هي تحديات حضارية وتكنولوجية ومعلوماتية ويمكن القول ان قوة المواجهة الاعلامية العربية للمتغيرات المستجدة في العالم تتوقف على عاملين متفاعلين في الوطن العربي ,انماط القدرة الذاتية المتجلية في سلوك قومي موحد وانماط التنظيم الاعلامي الذي يعبر عن هذا السلوك.‏

  • Currently 116/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
39 تصويتات / 1186 مشاهدة

ساحة النقاش

masscommunication
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,920,323