منذ بداية الستينيات، وبعد نضج صناعة التلفزيون على مستوى العالم وانتشار أجهزة الاستقبال التلفزيوني في المنازل في جميع أنحاء العالم تقريباً وحتى قبل (تعميم تلوين الصورة)، أصبح التلفزيون الأداة الإعلامية الأولى من حيث عدد المتابعين وتنوع مشاربهم وفئاتهم. وكما كان التلفزيون وسيلة الإعلان التجاري الأكثر فاعلية في الولايات المتحدة، فقد أصبح وسيلة الدعاية السياسية الأولى في يد الحكومات، بسبب تمتعه بعدد من المزايا التي لم تتوافر قبله لأي وسيلة إعلامية أخرى، وخاصة في مجال نقل الأخبار والأحداث العالمية الهامة.
ومن أهم هذه العوامل ما يلي:
أ . المصداقية والمقدرة على الإقناع:
في التلفزيون يرى الجمهور رأي العين ويسمعون بأنفسهم الأحداث المنقولة مما يترك تأثيراً إقناعياً قوياً، فهو لم يعد يجعلهم من المتابعين للحدث بل من شهوده وحضوره. وبما أن الإنسان لا يشكك في الشيء الذي يراه بعينه ويسمعه بأذنه فإنه عادة يأخذ ما يراه في التلفزيون من أحداث وأخبار كحقيقة لا تقبل النقاش أو الطعن، على الرغم من أن تلك الحقائق والأحداث يمكن معالجتها بحيث تترك آثاراً متفاوتة ومتغايرة من خلال اكتمال العرض وأسلوبه ودرجة التركيز على عناصره والتحكم فيما يعرض وما يحجب عن المشاهدين
ب. السرعة في نقل الأخبار والأحداث:
منذ مطلع الستينيات أصبح التلفزيون أشمل وسيلة سريعة لنقل الأخبار إذ إنه كان يتساوى مع الراديو في قطع البرامج وإذاعة الأخبار الهامة، لكنه يتفوق عليه بإمكانية عرض الصورة لاحقاً وخلال ساعات، أما اليوم فإنه ينقل الأخبار والأحداث الهامة مباشرة في لحطة وقوعها. ولذلك فإن الناس في جميع أنحاء العالم، منذ أكثر من أربعين عاماً، كانت تتجمع مساءً حول أجهزة التلفزيون لمشاهدة نشرات الأخبار ومشاهدة تفاصيل ما سمعوا عنه من خلال الراديو أو قرأوه في الصحف، وهذا في حد ذاته جعل لجهاز التلفزيون القول الفصل والكلمة الأخيرة بين ما يصدقه الناس ويقتنعون به لأنهم شاهدوه بأعينهم وبين ما يتشككون في تصديقه لأنهم لم يروه.
ج. مجانية الخدمة:
قبل ظهور التلفزيون كان الناس إذا سمعوا عن حدث ما في الراديو يضطرون إلى شراء الصحف وربما المجلات المصورة، للاطلاع على التفاصيل ورؤية الصور أما في عهد التلفزيون فقد كانت هذه الأشياء تصلهم مجاناً وبلا عناء وتعرض عليهم بالشكل الذي يشبع فضولهم بلا مقابل مادي سوى الاشتراك الرسمي الذي كانت بعض الحكومات تفرضه على كل جهاز تلفزيون تقتنيه الأسرة. وكان التلفزيون يقدم مقتطفات مما تنشره الصحف والمجلات فيغني المشاهدين عن شرائها لقراءتها، كما كان يستضيف كبار المعلقين في المحطات الإذاعية في البرامج الحوارية.
د. تغير أنماط الترفيه والتسلية الجماعية:
منذ بداية الثلاثينيات من القرن العشرين تعود الناس على قضاء الأمسيات مجتمعين حول جهاز الراديو بدلاً من الذهاب إلى المقهى أو النادي ،ثم لم تلبث هذه العادة أن تأصلت بعد ظهور أجهزة (الفوتغراف) وسماع الموسيقى من الاسطوانات المسجلة في المنزل بوجود الأصدقاء بدلاً من الذهاب إلى المسرح أو (الأوبرا).
وهكذا جاء التلفزيون في الوقت الذي ألف فيه الناس أساليب الترفيه والتسلية المنزلية وأصبحوا يتشوقون لرؤية الأفلام السينمائية أيضاً في منازلهم، خصوصاً أولئك الذين لا يقدرون على تأمين مصاريف الذهاب إلى صالات العرض السينمائي. ولذلك لم تواجه أجهزة التلفزيون أي مشقة في التأقلم مع هذا الجو الترفيهي المنزلي الجديد.
ه. سعة الانتشار:
لا يزال التلفزيون حتى الآن محافظاً على المركز الأول بين وسائل الإعلام الأخرى في الانتشار بين الناس وهو يتفوق على الصحف والراديو في عدد المتابعين، ولذلك نجد أنه أيضاً حتى الآن يعد الأداة الرئيسية في حملات الإعلان التجاري، ويعود ذلك إلى سهولة الالتقاط منزلياً وإمكانية المشاهدة براحة تامة وبالكيفية المفضلة للمشاهد وكذلك مقدرة التلفزيون على مخاطبة الناس على اختلاف مستوياتهم الثقافية والإعلامية.. حتى الأمية التي تحول دون انتشار الصحف لم تعد عقبة في طريق متابعة التلفزيون، فالناس يشاهدون التلفزيون بأعينهم ويكونون قناعاتهم بعواطفهم وهذا لا يحتاج إلى إتقان القراءة والكتابة، وهذه الميزة بالذات جعلت الهوة بين أعداد المتعلمين وغير المتعلمين الذين يتابعون الأحداث العالمية تنكمش إذ لم تعد متابعة الأحداث العالمية تحتاج إلى مستوى علمي أو إدراك خاص فهي في متناول الجميع وكل يفسرها حسب مستواه ونضجه.
و. القدرة على التحديث والمتابعة:
انفرد التلفزيون بين وسائل الإعلام الأخرى في المجال الإخباري بالمقدرة على المتابعة وتحديث المعلومات والصور من مواقع الأحداث أولاً بأول، بينما كان الراديو عاجزاً عن نقل الصورة، وتحديث معلومات وصور الصحف يحتاج إلى إصدار الملاحق والطبعات الإضافية وهو ما يستغرق وقتاً ومالاً وجهداً اختصره التلفزيون في البداية إلى دقائق ثم أصبح الآن فورياً لا تأخير فيه، ولذا فإن التلفزيون هو الأداة الإعلامية الأكثر مشاهدة خلال الأزمات السياسية والصراعات العسكرية والأحداث العالمية الهامة لأنه الأسرع في النقل والمقدرة على تحديث البيانات.
ز. تعدد مصادر التغذية التلفزيونية:
في بدايات عهد التلفزيون كانت المحطات المحلية في العواصم العالمية الكبرى تتنافس في اجتذاب المشاهدين من خلال تقديم برامج مشوقة وتغطيات إخبارية ورياضية تعتمد على ميول القائمين عليها سياسياً وعقائدياً، وهذه الخدمات التلفزيونية تكون مصبوغة بتلك الاتجاهات ومن هنا كان المشاهد التلفزيوني قادراً على رؤية الحدث الواحد ومتابعة تفسيراته من خلال وجهات نظر متعددة تحرره من الوقوع تحت سيطرة كاتب أو معلق معين. أما اليوم فإن البث التلفزيوني الفضائي ضاعف من قوة هذا العامل بالذات أضعافاً مضاعفة.
ح. التأثير الإدماني للتلفزيون:
تميز التلفزيون عن غيره من وسائل الإعلام بمقدرته على إحداث تأثير إدماني على متابعيه، إذ أصبح جزءاً من حياة المشاهد يفتقده إذا لم يكن موجوداً بل، إن كثيراً من المشاهدين يتركونه يعمل حتى وإن لم يكونوا يتابعون ما يعرض، فقط لأن إيقافه يجعلهم يحسون بهدوء غير مرغوب، وتشغيله يذهب الوحشة من الغرفة أو المنزل. كما اتضح أن عدد ساعات المشاهدة تتزايد تدريجياً ثم تصل إلى مستوى معين لا تقل عنه بعد ذلك. كما لوحظ أن وجود التلفزيون في الفنادق كان عامل جذب للنزلاء الذين لم يعودوا يستطيعون الاستغناء عنه ولو لأيام معدودة عند سفرهم.
ط. تنوع المادة الترفيهية المعروضة:
امتاز التلفزيون عن غيره من وسائل الإعلام بتنوع المادة المعروضة وشمولية إرضاء أذواق الجمهور المتلقي، فإضافة إلى البرامج المتخصصة للطفل والمرأة والمراهقين فإنه الوحيد بين وسائل الإعلام القادر على نقل المشاهد من السينما إلى المسرح وإلى الملاعب الرياضية وأعماق البحار والمناطق الجغرافية النائية وساحات المعارك والحروب. ومن خلال التلفزيون شاهد مئات الملايين مناظر سياحية وأحداثاً تاريخية وأقاليم جغرافية وفصائل من الحيوانات لم تكن رؤيتها متيسرة إلا لأعداد قليلة جداً ومحدودة للغاية من البشر. بل أصبح الإنسان يستطيع من خلال التلفزيون خلال عام واحد مشاهدة ما شاهده أسلافه من البشر في مئات السنين.
ولهذه الأسباب مجتمعة أصبح تقديم الخدمة التلفزيونية للشعوب هاجساً يسيطر على تفكير الحكومات خلال مرحلة الخمسينيات من القرن العشرين، وأصبح وجود هذه الخدمة الإعلامية في بلد ما، دليلاً على تقدمه الحضاري والثقافي وانفتاحه على المعطيات والأحداث العالمية والتفاعل معها. ووجدت فيه الحكومات أداة غير مسبوقة التأثير في مجال صناعة الرأي العام وتوجيهه، وكذلك بناء القناعات وترسيخها بهدف السيطرة على مشاعر وعواطف الشعوب.

  • Currently 138/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
45 تصويتات / 1078 قراءة
نشرت فى 29 يوليو 2010 بواسطة masscommunication

ساحة النقاش

masscommunication
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,061,126