يقدم هذا الكتاب محاولة نقدية لقراءة وتفسير المستجدات التي طرأت على خريطة الواقع العربي والدولي في سياق المرحلة الجديدة للنظام الرأسمالي العالمي، والتي عرفت باسم العولمة؛ حيث تتداخل بطريقة جدلية الشركات والمؤسسات والشبكات الدولية الاقتصادية والاتصالية والمعلوماتية؛ كي تحل محل الدولة القومية في ميادين المال والاقتصاد والثقافة والإعلام، وحيث تواصل القوى الدولية المتحكمة في العولمة محاولاتها الدءوبة من أجل عولمة الثقافة والتعليم والدين، وسائر مكونات المنظومة الحضارية التي كانت تحتفظ باستقلال نسبي خارج دوائر وقيم السوق العالمية. ونظرًا للتداخل القائم بين التحولات التي تجري في العالم، وما تثيره من قضايا وتحديات وأسئلة، وبين ما يواجهه الواقع والمستقبل العربي في عصر العولمة؛ لذلك كان طبيعيًّا أن تنال ظاهرة العولمة وتجلياتها الاتصالية والمعلوماتية والثقافية اهتمامًا مركزيًّا يجعلها تتصدر سائر القضايا التي يضمها هذا الكتاب، والتي يتميز بعضها بالطابع العالمي (مثل كل من قضايا المرأة والبيئة والهندسة الوراثية)، وينفرد بعضها الآخر بالطابع العربي (مثل إشكالية الوفاق العربي)، ويمثل البعض الثالث جسر التواصل الإعلامي بين الغرب والعالم العربي (مثل صورة الغرب في الصحافة المصرية)، ولكنها في مجملها تعد محكات شفافة تعكس التناقضات الكامنة، وأشكال التعاون الاقتصادي والاجتماعي المتعددة، والتي يزخر بها الواقع العربي بفعل تراكم الموروثات الثقافية السلبية، وغياب الديموقراطية في مختلف المؤسسات الاجتماعية والسياسية؛ بدءًا بالأسرة، وانتهاء بنظم الحكم، ومرورًا بالأحزاب والتنظيمات الثقافية والعلمية، وإن كان الأمر لا يخلو من تحسس إرهاصات التحدي وآفاق الانفراج المستقبلية. هذا وتبرز التجليات السلبية والإيجابية لهذه القضايا في إطار التفاعل بين الإعلام، والتشابكات الخفية التي تحكم مسار وفاعلية هذه القضايا في سياق ما تطرحه العولمة من إشكاليات وتحديات اجتماعية وثقافية لم تحسم بعد على المستويين العربي والدولي. وبقدر ما يحوي هذا الكتاب من معلومات وآراء ورؤى خلافية حول القضايا التي تناولتها الدراسات؛ إلا أنها تطرح من التساؤلات والإشكاليات ما يعكس ويجسد القلق العالمي المصاحب لعصر العولمة، والمتزامن مع رحيل قرن واستهلاك قرن جديد بكل ما يعني ذلك من تركة الموروثات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تنتمي إلى القرن العشرين ولم تحسم بعد، علاوة على المستجدات والتحديات المتنامية التي يحملها القرن الجديد في ظل تزاوج ثورتي الاتصال والمعلومات الجيولوﭽية، وتصاعد قضايا البيئة. ولذلك كان أمرًا حتميًّا أن نحرص على إبراز أهمية كل قضية على حدة، سواء في خصوصية مفرداتها وإشكالياتها على المستويين؛ العملي المعاش، والفكري المجرد، أو في تشابكها وتفاعلها الجدلي مع سائر مفردات الواقع المجتمعي الذي يشكل هويتها ويحدد مسارها في مختلف مراحل تطورها، مع عدم إغفال التأثير الكاسح لآليات العولمة في مجال الاتصال والمعلومات. إن جوهر هذا الكتاب يتمحور في الدراسة الأولى وعنوانها "الإعلام المعاصر وتحديات العولمة"؛ حيث يتم رصد وتشخيص مفهوم العولمة بين علماء الاقتصاد السياسي والاجتماع والثقافة، وتطرح الأسباب السياسية والاقتصادية والتكنولوﭽية التي أدت إلى ظهور العولمة، والتي تتمثل في اختفاء الاتحاد السوفيتي وتصاعد نفوذ الشركات المتعددة الجنسية والمؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي) وظهور منظمة التجارة العالمية، وتزاوج ثورتي الاتصال والمعلومات؛ بما أضاف للسوق العالمية قدرات هائلة غير مسبوقة في الانتشار والترويج والدعاية. وقد رصدت الدراسة الآثار العولمية في مجال الاتصال والمعلومات بشقيها الإيجابي والسلبي؛ سعيًا لإبراز وظائف الإعلام العولمي، وأدواره الاجتماعية والثقافية في عصر هيمنة القيم الاستهلاكية وإيديولوﭽية السوق. ولعل من أبرز قضايا عصر العولمة، والتي تستحوذ على اهتمام شعوب العالم شمالاً وجنوبًا؛ قضيتي البيئة والثورة البيولوﭽية، اللتان تشغلان مساحة بارزة في هذا الكتاب (الدراستان: قضايا البيئة بين الصحافة والرأي العام، الإعلام وقضايا الهندسة الوراثية)؛ حيث تثار قضية انتشار الأمية العلمية في المجتمعات المعاصرة، خصوصًا في الجنوب؛ فرغم أن البشرية تعيش منذ سنوات عديدة الموجة الحضارية الثالثة التي تتمثل في الثورة العلمية والتكنولوﭽية وتجلياتها في مجالات المعلومات والاتصال الهندسية الوراثية، غير أن الأمية العلمية تبرز كتجسيد واضح للفجوة التي تزداد اتساعًا بين مجتمع العلماء وبين سائر فئات الجمهور، بما فيهم القادة السياسيين والبرلمانين والإعلاميين، وهنا تبرز المسئولية الكبرى التي تقع على وسائل الإعلام، في ضرورة تبسيط المعرفة العلمية وتوصيلها إلى مختلف الشرائح والمستويات الجماهيرية، من خلال الإعلام المقروء والمرئي والمسموع، وتطرح الدراستان الإشكاليات المعرفية والمخاطر البيئية، والتحديات الأخلاقية والاجتماعية الناتجة عن الإنجازات العلمية التي تحققت في مجال الهندسة الوراثية، كما تسلط الضوء على المعوقات التي تحول دون قيام وسائل الإعلام بأدوارها المفترضة، والتي يكمن بعضها في طبيعة العمل الإعلامي ذاته كنشاط إنساني له خصوصيته وله قصوره الذاتي، كما يرجع أغلبها إلى سطوة المصالح التي تجسدها الشركات المتعددة الجنسية، والتي تسيطر على 80% من التجارة العالمية والاستثمارات الدولية، وتتحكم بصورة شبه مطلقة في حركة السوق العالمية، خصوصًا في مجالات الاتصالات والفضائيات والمعلومات، والأدوية والبحث العلمي والإعلانات، والعلاقات العامة. وإذا كانت قضية الوحدة العربية قد تصدرت قائمة الأولويات لدى الرأي العام العربي منذ الخمسينيات والستينيات، واستمرت مطروحة حتى التسعينيات، وأضيف إليها بعض القضايا الأخرى المحورية (مثل قضايا التنمية الشاملة، وحقوق الإنسان العربي المادية والمعنوية، والاعتماد الجماعي على الذات في مواجهة تحديات العولمة الاقتصادية والثقافية)؛ فإن الدراسة الثانية وعنوانها "الإعلام وإشكالية تحقيق الوفاق العربي" قد كشفت عن الظروف والملابسات التي تحدد صيرورة المد والجزر، وتداعيات الوفاق والانقسام في المشهد العربي الراهن، والتي أبرزتها الصحافة العربية من خلال تسليط الضوء على مكانها من الوفاق العربي حضورًا وغيابًا، بعد مجموعة من القضايا والأحداث الفاصلة في التاريخ العربي المعاصر، والتي تمثلت في السوق العربية المشتركة، ومؤتمر الدوحة الاقتصادي (نوﭭمبر 1997)، والأزمة العراقية مع الأمم المتحدة والقدس، ومحاولات تهويدها. وفي ضوء الرصيد الأكاديمي المحدود الذي قدمته الأدبيات العلمية العربية في مجال الإعلام عن صورة الغرب في الإعلام العربي المعاصر، والذي يتناول أغلبه حقبتي الستينيات والسبعينيات، فيما يركز قليل منه على حقبة الثمانينيات؛ جاء اهتمامي بضرورة رصد وتحليل صورة الغرب في الصحافة المصرية في حقبة التسعينيات؛ أي في عصر العولمة، ومما ضاعف حماسي لهذا الموضوع التشجيع الذي لقيته من إحدى رفيقات المهنة الدكتورة نهاوند القادري، التي بادرت إلى نشر الدراسة ضمن محاور العدد الثاني من مجلة "الباحثات" اللبنانية، ولقد سعت الدراسة إلى رصد وتحليل العوامل والمتغيرات السياسية والثقافية والإعلامية التي أثرت في تشكيل صورة الغرب، كما قدمتها الصحافة المصرية بشقيها القومي والحزبي، وبمختلف تياراتها وتوجهاتها الأيديولوﭽية والسياسية، وقد تم اختيار فترات زمنية كاشفة وذات دلالة سياسية وثقافية بارزة؛ مما كان له أثره المباشر والملحوظ على الخطاب الإعلامي المصري تجاه أدوار ومواقف الغرب من قضايا العالم العربي في حقبه التسعينيات؛ فكانت أزمة الخليج (2 أغسطس 1990، و28 فبراير 1991) هي القضية السياسية، كما كان الاحتفال بمرور قرنين على العلاقات المصرية الفرنسية هو الحدث الثقافي الذي أثار جدلاً طويلاً في الخطاب الإعلامي المصري؛ مما أحدث كثافة في الإنتاج الصحفي، سمحت برصد دقيق لعناصر صورة الغرب في المجال الثقافي. ولما كانت العولمة تشهد تزايدًا ملحوظًا في أهمية الدور الذي تقوم به قوة العمل النسائية في إحداث التراكم الاقتصادي لصالح الشركات العالمية والمحلية؛ إذ أصبحت المرأة في نظر هذه الشركات منجمًا جديدًا يجب استغلاله إلى آخر قطرة؛ أولاً باعتبارها تمثل قوة العمل الرخيصة غير المنظمة التي تحتاج إلى ضمانات صحية أو تأمينية، فهي تقبل مالا يقبله الرجل، سواء في مجالات القطاع غير الرسمي، أو في الحرف والخدمات والصناعات التكميلية أو في المنازل، وثانيًا باعتبارها ربة البيت التي لا يمكن إغفال دورها الأساسي في الاستهلاك، الذي يعد عماد السوق في عصر العولمة؛ لذلك كان هناك ثمة ضرورة تقتضي رصد التجليات الاجتماعية للعولمة، خصوصًا في مجال "قضايا المرأة والإعلام في عصر العولمة"، وكان هذا موضوع الدراسة الخامسة التي عنيت برصد محددات الخطاب العالمي الخاص بقضايا المرأة، ومقارنته بالواقع الراهن للمرأة العربية، وموقف الإعلام من قضاياها وإنجازاتها ومشكلاتها وانكساراتها، والعوائق الاجتماعية والموروثات الثقافية التي تحول دون إطلاق قدراتها الإبداعية للمشاركة في بناء واستنهاض المجتمعات العربية؛ وذلك في محاولة للإجابة عن سؤال محوري يدور حول الأدوار الجديدة للإعلام في عصر العولمة، بعد أن أصبحت الإمبراطوريات السمعبصرية (الأرضية والفضائية) هي المؤسسة التربوية والتعليمية الجديدة التي حلت مكان الأسرة والمدرسة. وفي ضوء هذه التطورات تبرز الإشكالية الخاصة بموقف الإعلام من قضايا المرأة العربية في حقبة العولمة؛ حيث يصبح السؤال المطروح: "هل يقوم الإعلام العربي بدور إيجابي في دفع قضية المرأة إلى الأمام، أم يكتفي برصد واقعها الراهن بسلبياته وإيجابياته، أم يسعى متعمدًا إلى تكريس أدوارها التقليدية متجاهلاً إنجازاتها في مجالات التعليم والعمل والإبداع الفكري والثقافي، أم يحاول استثمارها من خلال الإعلانات لترويج القيم الاستهلاكية لصالح السوق العالمية والأسواق المحلية؟. وفي النهاية هناك كلمة أخيرة أعرب بها عن امتناني لرفاق المهنة الأعزاء، وعلى الأخص فريق العمل الجماعي بقسم الصحافة، الذين قدموا لي على امتداد مشواري العلمي صورًا شتى من المساندة والبهجة والتشجيع، وأخص منهم في جيل الشباب بالنسبة لهذا الكتاب بالتحديد؛ كل من هشام عطية، ومحمد حسام، وشيرين سلامة، وماجدة عبد المرضي، ومحرز غالي، ومحمد الباز. وإذا كنت قد أهديت هذا الكتاب إلى حفيداي أحمد هشام وعمر هشام باعتبارهما يمثلان الجيل القادم من شباب مصر الذي سيواجه سطوة العولمة وتجلياتها المضيئة والمعتمة، مسلحين بالوعي والعلم والانتماء للوطن (وعلى الأخص فقرائه وكادحيه)؛ فإنني وكما دأبت في كل مؤلفاتي السابقة أهدي هذا الجهد أيضًا إلى طلابي من الأجيال الجديدة الواعدة بقسم الصحافة؛ اعتزازًا بهم وبهذا القسم العريق الذي قدم للوطن ذخيرة من المعرفة والقيم والبشر، تتجدد دومًا بتجدد مياه النهر العظيم (نيل مصر) .

المصدر: Author : عواطف عبد الرحمن - منتدى سور الازبكية http://www.books4all.net/showthread.php?t=725
  • Currently 140/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
47 تصويتات / 2201 مشاهدة
نشرت فى 2 أغسطس 2010 بواسطة masscommunication

ساحة النقاش

masscommunication
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,943,856