تعد الثورة الإعلامية بأشكالها وصيغها المختلفة واحدة من السمات البارزة التي تميّز عصرنا الراهن. والثورة هذه عامة نوعية، تشمل المفاهيم والتقنيات، تتناول المنتج والمتلقي، لا تتجلى تبعاتها في الميدان السياسي وحده، بل في الميادين الأخرى بأسرها. ثورة تتجسد في أجهزة منتشرة في كل مكان، كانت في منظور الماضي القريب مجرد بدعة خيالية ليس إلا. لكنها أصبحت عبر زمن قياسي في متناول القسم الأكبر من الناس، يتعامل معها الفرد من خلال هاتفه النقّال، أو القنوات الفضائية التي تجلب إليه العالم بزواياه اللامتناهية، أو اجهزة الحاسوب سواء المنزلية منها أو المكتبية أو تلك التي تضمها مقاهي [الانترنيت] – الحاسوب التي غدت ظاهرة اجتماعية جديدة في عالمنا المعاصر، تنتشر بفعل شرطي العرض والطلب.

ولعله من نافل القول هنا أن نشير إلى واقعة امكانية الاستخدام المختلط - على الصعيد القيمي - لحصيلة الثورة الإعلامية هذه. وما نعنيه بذلك هو امكانية استخدام التقنية الحديثة في سياقات مختلفة، تتناغم مع منظور الجهود التي تريد توظيف الامكانيات في إطار ينسجم مع نوازعها وتوجهاتها بصرف النظر عن طبيعتها، سواء من جهة الحجم أو الامتداد. وهذا فحواه أن جميع القوى، سواء الخيرة أو الشريرة، السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية، أو غيرها...... في مقدورها الاستفادة من ثمار التقدم المطرد المذهل المتفاعل في ميدان الاعلام، هذا الميدان الذي يعد بحق عاملا من تلك العوامل التي غدا عالمنا الكبير بفعلها مجرد قرية اعلامية، لاتعرف الحدود والمسافات.

ولكن ما هو الحال بالنسبة إلى الإعلام العربي؟ ماذا عن واقعه الراهن وآفاقه المستقبلية؟ هل يرتقي هذا الإعلام إلى مستوى التحديات التي يجابهها المجتمع على مختلف المستويات؟ أم أنه هو الآخر لايعد في أحسن الأحوال سوى الوجه الآخر المكّمل للمؤسسة السياسية العربية، تناط به مهمات التعمية والتسويغ والتجميل؟

أسئلة كثيرة تبرز هنا وهناك، تمتد بجذورها إلى إشكالية الموقف برمته. ومن اتساع البون بين الواقع والطموح. وما يبدو لي أن المطلوب هنا ليس الاجابة عن الأسئلة المثارة هذه، بقدر ما يستلزم الأمر تحديد قسمات الواقع الراهن للإعلام العربي، وتوصيفه، وذلك تمهيدا لاستشفاف ملامح ما يمكن اعتماده مستقبلا بغية الوصول إلى وضع أفضل.

ولإنجاز عمل من هذا القبيل في إطار ورقة بحثية كهذه محكومة بالوقت والمساحة، لابد من إيجاد صيغة ما لتصنيف الموجود، صيغ تصبو إلى معرفة القائم بأبعاده المختلفة. وهذا ما يفرض مسألة تعددية التصنيف إن صح التعبير. والمعني بذلك هو عدم امكانية الإحاطة بالموضوع استنادا إلى تصنيف وحيد الإتجاه، يخلط بين مختلف المستويات والمجالات، ويحشرها جميعا في خانة واحدة.

والتصنيف المقترح هنا يقوم على أساس تناول الواقع الاعلامي من زوايا ثلاث تكمل الواحدة منها الأخرى، وتتفاعل معها سلبا أو إيجابا. هذا مع العلم أنه يوجد إلى جانب هذه الرئيسة زوايا أخرى فرعية، تندرج هنا و هناك في إطار تلك الرئيسة إذا استلزم الأمر.

1- تصنيف الإعلام من جهة النوع:

هنا يمكننا أن نميّز بين ثلاثة أصناف أساسية تقليدية، بالإضافة إلى صنف رابع بدأ يفرض ذاته في الساحة الإعلامية مؤخرا إلى هذا الحد أو ذاك. الأصناف الثلاثة المعنية هنا تشمل الإعلام المرئي والمسموع والمقروء. في حين يتشخص الصنف الرابع في الإعلام المركب إن صح التعبير، المقروء - المرئي، وربما المقروء - المرئي - المسموع، وهو الإعلام الذي ياتينا من خلال المواقع الكثيرة على شبكة [الانترنيت] بعروضها وأغراضها المتعددة المستويات والأهداف.

وما يلاحظ في واقع الإعلام العربي راهنا هو هيمنة المرئي منه، وذلك مقارنة مع كل من المسموع أو المقروء. ويبدو أن ما أسهم في ذلك يتمثل بصورة أساسية في واقع ظهور القنوات الفضائية بإمكانياتها الكبيرة، وقدرتها على متابعة الحدث في انطلاقه وتفاعله.

أما الإعلام الجديد، [الانترنيتي] إذا صح التعبير، فهو الآخر في طريقه إلى الانتشار والتغطية، خاصة بعد ظهور مواقع هامة تتقن العمل بصورة حرفية، تتابع الأحداث بفضل شبكة مراسليها الواسعة، وتقدم المعلومات والتحليلات على مدار الساعة.

2- تصنيف الإعلام من جهة الإختصاص:

وما نعنيه بذلك هو وجود نوع من التخصص في إطار الجهد الإعلامي العربي باشكاله المختلفة. فهناك مؤسسات تعنى بالمسائل الفنية، وأخرى بالرياضية أو الاجتماعية أو الاقتصادية ......الخ ولكن الاهتمام بالجانب الاخباري السياسي يظل هو في المقدمة. في حين أن الاهتمام بالمسائل العلمية وقضايا الأطفال، ومشاغل الشباب، لايرتقي إلى المستوى المنشود الذي يتناسب مع الحاجات الفعلية، وطبيعة التحديات المعاصرة. وحتى فيما يتصل بالجوانب الأخرى التي تأخذ عادة نصيبها من الاهتمام والمتابعة، يلاحظ أن ثقافة الاستهلاك قد تركت آثارا عميقة في الجهود المبذولة، ويتمظهر ذلك في صيغ التشويه والتسطيح والإفساد.

3- تصنيف الإعلام من جهة الاستقلالية:

هنا يمكننا أن نتحدث عن أشكال ثلاثة من المؤسسات الإعلامية تتحدد ملامحها بفعل قربها أو بعدها من تخوم الاستقلالية عن المؤسسة السياسية الرسمية وهي على التولي:


الإعلام الرسمي:

وهو الإعلام الذي تموّله الدولة وتشرف عليه، وتوجهه ليكون بمثابة لسان حال السياسة الرسمية في مختلف الميادين. ما يميّز هذا الإعلام بصورة عامة - سواء المسموع منه أو المرئي أو المقروء – هو الجمود والتخلف عن ركب التطورات المتسارعة التي يزخربها عصرنا الرهن. كما ان الرقابة الصارمة والتدخلات المستمرة من قبل الأجهزة الحكومية، بالإضافة إلى ضعف كفاءة قسم كبير من الكوادر العاملة في هذا الإعلام، جميعها عوامل تؤدي إلى إخفاق هذا الإعلام في جذب انتباه الناس وشدهم إلى متابعته. وما يزيد في تعقيد الوضع هو عدم ثقة الناس بما تقدمه لهم قنوات الإعلام الرسمي، لدرجة أن بعضهم لايثق حتى بالنشرات الجوية المحلية، لذلك يكون التوجه نحو الأقنية الفضائية، وشبكة [الانترنيت]، وغيرها من المصادر الخارجية، أملا في الوقوف على الحقائق بصورة افضل.

الإعلام الخاص:

وهو الإعلام الذي لا يرتبط بسياسة رسمية محددة، وإنما يستندإلى توجهات الأفراد المالكين، ويسير بموجب الخطط والسياسات التي يعتمدها أصحاب المؤسسات الإعلامية أنفسهم. في إطار هذا الإعلام، يمكن للمرء أن يقف على معطيات ووجهات نظر مخالفة لتلك التي تسوّق رسميا، الأمر الذي قد يكون من شأنه أحيانا الكشف عن الحقائق والوقائع بصورة أفضل.

لكن الذي يحدث، هو أن اجراءات الرقابة والتدخلات من قبل الأنظمة السياسية الرسمية العربية تحد من طموح الإعلام الخاص، المقروء منه على وجه التحديد، لانه لايستطيع تجاوز التخوم من دون موافقة الرقيب. هذا في حين أن الإعلام المرئي خاصة الفضائي منه، قد تجاوز هذا الشرط. ولكنه هو الآخر قد يضطر أحيانا- بناء على المستلزمات المادية - إلى الدخول في مساومات تقلص من درجة استقلاليته.

والأمر اللافت للنظر في هذا الميدان هو أن معظم الجرائد والمجلات قد تمكنت من استخدام شبكة[ الانترنيت] بفاعلية، واستطاعت بفعل ذلك الوصول إلى قرائها. إلا ان العقبة المالية تظل بالنسبة لها الهاجس الذي يثبط العزيمة، ويجبرها على البحث عن مصادر التمويل التي لاتكون عادة من دون مقابل.....

وفي إطار الإعلام الخاص هذا، يمكننا أن نميّز بين الإعلام المقيم والآخر المهاجر، ولكل منهما همومه وشجونه. الإعلام الخاص المقيم، محكوم بمساحة الحريات المتاحة سواء في داخل البلد الذي ينطلق منه، أو في البلدان التي يتطلع إلى الانتشار فيها. ولكن مع ذلك يلاحظ أن هذا الإعلام يمتلك امكانيات أكبر - قياسا إلى تلك التي يحظى بها الاعلام المهاجر – وذلك على صعيد بناء العلاقات مع الكوادر الثقافية، وتشخيص الواقع العياني عن قرب استنادا إلى المعايشة الحية.

أما الإعلام المهاجر، فقدرته على الحركة أفضل، إلا ان عملية الوصول إلى الداخل العربي تعد بالنسبة له أيضا إشكالية مركبة يجابهها بصورة مستمرة. في حين أن المسافة المكانية التي تفصله عن قضايا المجتمع تؤثر سلبا في قدرته على معاينة الوضع. لكنه من ناحية أخرى يشكل حاضنة هامة، تجمع الطاقات المهاجرة، ويحقق نوعا من التواصل بين ثقافة الوطن وتلك التي تخص المهجر. كما أن الخبرات الإعلامية، والقدرات المعلوماتية المتوفرة في الخارج، تكون عادة مصدرا هاما من مصادر الإغتناء والتنوع والتقدم بالنسبة إلى هذا الإعلام.

الإعلام المشترك:

والمقصود به هو ذاك الإعلام الذي لايعبر بصورة صريحة عن الرأي الرسمي لهذه الدولة أو تلك، مع أنه يتلقى الدعم المالي منها، ويخضع في سياساته لتوجهاتها. مثل هذا الإعلام يتمتع بقسط من الاستقلالية النسبية في القضايا غير الأساسية. وقد تمكن بدرجات متفاوتة من استقطاب جمهور لابأس به من المتابعين، اولئك الذين سئموا رتابة الإعلام الرسمي، وتخلفه في ميدان ملاحقة الأحداث وتقديم المعطيات عبر اخراج رسمي، يفقدها عناصر التشويق والجذب والحيوية.

ويبدو أن النتائج الايجابية التي حققها الإعلام المشترك - إذا جاز التعبير- أثارت انتباه العديد من الدول، الأمر الذي دفع بها نحو بناء العلاقات مع مجموعة من المؤسسات الإعلامية الخاصة أيضا، مما أثر سلبا في مستويات استقلالية هذه الأخيرة.

إن الإعلام العربي بأصنافه وأشكاله المختلفة إنما هو تعبير عن واقع قائم، تتحكم فيه جملة من العوامل التي تحدد مسار الأحداث في الدول العربية. وقد كانت العلاقة بين المؤسسة السياسية ونظيرتها الإعلامية باستمرارهي العلاقة المحورية المفصلية في قائمة أولويات الأنظمة السياسية العربية. ومثل هذه الوضعية، تؤدي بنا إلى تأكيد واقعة مفادها عدم امكانية الحديث عن الحرية الإعلامية بمعزل عن الاعتراف بالحريات العامة، واحترامها في هذا المجتمع أو ذاك. وهذا أمر لايتم بلوغه إلا في أنظمة ديمقراطية تستمد مشروعيتها ونسغها من إرادة مواطنيها الأحرار. تتحمّل مسؤولياتها، وتعترف بأخطائها من دون عقد أو مواربة. تعتمد اسلوب الشفافية التامة في تناولها ومعالجتها لقضايا الوطن والمواطن.

أما أن يكون الإعلام آداة للتبرير والتمرير، وسيلة التحسين الإيهامي والتغطية على العيوب البنيوية، مصدرا للتزييف ونشر الأضاليل، أساسا لتسويق وجهات نظر أحادية الجانب تعتمد اسلوب إثارة المشاعر والعواطف، وتغفل عن دراية أهمية وضرورة المحاكمة العقلية الموضوعية التي لايمكن الإستغناء عنها، إذا شئنا أن نعيش عصرنا بتعقيداته وتحدياته. إن الإعلام إذا أنيط به أن ينجز هذه المهام المأتي على ذكرها، فهذا فحواه أن السلطة السياسية تريد تطويع الواقع وفق تصوراتها الرغبوية التي تنسجم مع مصالح فئة محدودة من المجتمع. فئة تتحكم بالمقدرات وأسباب الهيمنة.

لكن المشكلة هنا بالنسبة إلى الأنظمة السياسية تتمثل في حقيقة أن الداخل لم يعد في عالمنا المعاصر بمعزل عن الخارج، خاصة في ظل التطور المذهل المستمر في عالم الاتصالات بتقنياته وابتكاراته المتلاحقة. وإذا اضفنا إلى ذلك جهود الخارج الحثيثة في ميدان ترتيب الأمور لصالحه، فإننا سنصل إلى نتيجة خلاصتها أن الأمور إذا استمرت على هذا المنوال، فإن بدائل الداخل العربي ستنكمش على ذواتها أكثر فأكثر، ولن تستطيع مختلف الجرعات الإعلامية من إقناع المواطن، هذا الذي بدأ يشعر ويتلمّس عن قرب مدى الشرخ الذي يفصل بين الشعارات والتطبيق، بين الامكانيات الحقيقية والهلوسات المستهلكة. هذا المواطن الذي يتحسس يوميا مدى الحاجة إلى تركيز الطاقات وتوجيهها، لتأخذ مسارها الطبيعي في خدمة عملية التنمية والنهوض، بل أن هذا المواطن يعيش واقع هدر الطاقات من قبل شرائح مهيمنة، تختزل الوطن والأمة في أحزابها، ومن ثم تختزل هذه الأخيرة في مجموعة من اللامرئيين الذين يتحكمون بمفاصل اللعبة ومراميها. يساهمون في إخراجها من خلال أدوار مختلفة تتناسب مع طبيعة المصالح ومقتضيات استمرارية السيطرة.

إن الواقع الحالي للإعلام العربي - على الرغم من الإنجازات التقنية والمعلوماتية بصيغها المختلفة – لايرتقي إلى المستوى المطلوب. ولايتناسب مع حجم الامكانات المادية التي تستهلكها المؤسسات الإعلامية الرسمية منها على وجه التخصيص.

ولعل الأمر الذي يلفت الانتباه أكثر من غيره هنا، هو ضعف الخطاب العربي الإعلامي الموجه نحو الخارج. وعدم تمكّنه من بناء الجسور مع المؤسسات الإعلامية الدولية، الأمر الذي كان من شأن إنجاز حصيلة إيجابية متعددة الجوانب.

تُرى هل ستستمر الأوضاع هكذا أم لابد من فعل شيء ما؟ ما طبيعة المطلوب وما هي حظوظه من النجاح؟

واقع إشكالي، واسئلة مفتوحة تقتضي البحث والمتابعة، لكنها في مطلق الأحوال لاتقبل التسويف أو التأجيل.....................
ش

المصدر: عبدالباسط سيدا - الحوار المتمدن - العدد: 926 - 2004 / 8 / 15 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=22018
  • Currently 135/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
45 تصويتات / 723 مشاهدة
نشرت فى 2 أغسطس 2010 بواسطة masscommunication

ساحة النقاش

masscommunication
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,920,322