الفيلم السينمائي كشكل للتعبير يماثل الوسائط الفنية الأخرى، لأن الخواص الأساسية لهذه الوسائط منسوجة في صميم قماشته الوثيرة. فالفيلم يوظف العناصر التكوينية للفنون البصرية كالخط، والشكل، والكتلة، والحجم، والتركيب. وعلى غرار الرسم الزيتي، والتصوير الفوتوغرافي، يستغل الفيلم التفاعل الدقيق بين الظل والنور، وعلى غرار النحت يتناول الفيلم ببراعة المكان بأبعاده الثلاثة، ولكنه شأن التمثيل الإيمائي Pantomime، يركز على الصور المتحركة، وهذه الصور المتحركة لها إيقاع موزون، وتشبه الإيقاعات المركبة في الفيلم تلك الكائنة في الموسيقى والشعر. كما أن الفيلم شأن الشعر على وجه الخصوص، يعبّر من خلال التصور الذهني، والاستعارة المجازية، والرمز، وعلى غرار الدراما، فالفيلم يعبر بصريًا ولفظياً، بصرياً من خلال الفعل والإشارة، ولفظياً من خلال الحوار. وأخيراً، على غرار القصة، يبسط الفيلم أو يضغط الزمان والمكان، بالارتحال إلى الأمام وإلى الوراء بحرية في نطاق حدودهما الرحيبة.

والفيلم غير محدد، ليس فحسب في اختياره مادة الموضوع، بل أيضاً في مدى معالجته لتلك المادة، إذ يمكن أن يراوح طابع فيلمٍ من الأفلام ومعالجته لموضوعه، فيما بين القصيد الغنائي والملحمي، ويمكنه أن يركز على الحقائق السطحية والأمور الحسيّة الخالصة، أو يغوص في أعماق النظر الفكري أو الفلسفي. كما يمكن لأي فيلم أن يرنو إلى الماضي، أو يسبق آفاق المستقبل، ويمكنه أن يجعل بضع ثوان تبدو كأنها ساعات، أو يضغط قرناً من الزمان في دقائق، وأخيراً، يمكن للفيلم أن يضرب على أوتار الشعور جميعًا من أرق العواطف، وأرهفها، وأجملها إلى أقساها ضراوة، وعنفًا، وتنفيراً.

أ. القدرة على التخيُّل:

إذا كان الفيلم يملك القدرة على استحضار الواقع بكل تفاصيله وجزئياته - فإنه يملك القدرة نفسها على بلوغ أبعد آفاق الخيال، كما نجد في أفلام الرسوم المتحركة التي بلغت قمتها في الإبداع الخيالي على يدي والت ديزني. فالمتفرج يشاهد بعينيه على الشاشة ما قد لا يصل إليه في أحلامه وأوهامه، فهو يرى بالفعل البساط السّحري طائراً محلّقا فوق مدن الشرق القديم، في حين تدب الحياة في الكائنات التي لم نسمع عنها إلا في الأساطير مثل ميكي ماوس، والأقزام السبعة. وتتحرك أمامنا عجائب الطبيعة، مثل العجائز البالغين من العمر ألف عام، والعمالقة في مواجهة الأقزام... الخ، كذلك فإن المعاني المجرَّدة يمكن أن تتحول إلى شخصيات متجسّدة، والأصوات إلى أشكال ملموسة، وبهذا يمكن للفيلم أن يحيل العجائب إلى وقائع، وأن يسجل الواقع الراهن، ويجعل منه جزءاً من الوجدان الإنساني على مر العصور.

ب. القدرة على تغيير قوانين الزمان والمكان:

الفيلم الروائي يشبه الرواية والمسرحية في اعتماده على شخصيات وحبكة، ويشبه مخرج الفيلم كاتب الرواية في قدرته على تغيير المنظر في لحظة من الزمن، لكن المخرج يغيّر المنظر دون حاجة إلى تفسير مثل هذا التغيير، لأن المتفرج يعي سبب التغيير، أما الروائي الذي يتبع هذا المنهج بنفس السرعة، فإن القارئ قد يضل طريقه إذا لم يكن في يقظته الكاملة.

أما السينما فتوفر على المتفرج كل هذا العناء، لأن الصور المتتابعة تتعامل مع العين أكثر من تعاملها مع الخيال، هنا تكمن قدرة السينما على التلاعب الحر بقوانين الزمان والمكان، ذلك التلاعب الذي يمنحها جمالياتها الفنية الخاصة بها، فمن خلال القطع، يستطيع المخرج أن يختار الصورة التي تتمشى مع السياق الفيلمي الذي وضعه في ذهنه مسبقا، وهذا الاختيار لا تحده أية اعتبارات زمانية أو مكانية، ومن ثمّ يتحوّل مضمون الفيلم ومادته إلى عالم مادي قائم بذاته، وخاضع لأوامر المخرج لتشكيله من جديد. فالمخرج يختار منه المناظر والأصوات التي تخدم فكرته الرئيسية، ثم يربط صوره بدلالات حسية وانفعالية، بحيث يؤدي التتابع بين الصورة والصورة التي تليها، إلى خلق معنى أكبر وأشمل مما تحويه كل صورة على حدة من مكونات مرئية.

ج. القدرة على فتح عالم جديد:

يوضح أحد الكتاب أن الفنان السينمائي يعرض العالم لا كما يبدو موضوعياً فحسب، بل ذاتيا أيضاً، إنه يخلق عوالم راقصة جديدة، يستطيع فيها مضاعفة الأشياء ويدير حركاتها وأفعالها إلى الوراء أو يعجلها، إنه يبرز إلى الوجود عوالم سحرية حيث تختفي قوة الجاذبية، وتعود الأشياء المكسورة سليمة، إنه ينشئ قناطر رمزية بين الأحداث والأشياء، بين المواقف والشخصيات التي لم يكن بينها صلة في الواقع، إنه يدخل في تكوين الطبيعة أشباحاً مرتجفة مفككة الأجسام، وأماكن ملموسة، إنه يوقف تقدم العالم والأشياء ويغيرها إلى حجارة، إنه يبعث نسيم الحياة في الحجر ويمنحه الحركة، إنه يخلق من المكان غير المنظم، وغير المحدد صوراً جميلة الشكل عميقة الدلالة، ذاتية ومعقدة مثلما يحدث في الفن التشكيلي.

د. الفيلم السينمائي والفنون التشكيلية:

السينما هي أكثر الفنون تركيباً، لأنها تستخدم بقية الفنون الأخرى، ولذلك تسمى أحياناً فن الفنون الممزوجة، بالإضافة إلى تدخل الصناعة في كل مراحلها.

يقول توبليتز، عميد الاتحاد الدولي لأرشيفات السينما: "لقد ترك كل فرع من فروع الفنون التقليدية بصماته على الفيلم، كما أسهم في تحديد قواعد تكوينه، فإلى جانب الرسم التقليدي، هناك الرسم السينمائي على الشاشة، وإلى جانب الأدب المكتوب، هناك الأدب المرئي والمسموع، وإلى جانب العرض المسرحي، هناك العرض على الشاشة، وأخيراً إلى جانب الموسيقى التقليدية، هناك موسيقى تحكم تركيب العمل السينمائي".

ويميل بعض المفكرين إلى اعتبار السينما لوناً جديداً من ألوان الفنون التشكيلية، لأن الصورة تقوم فيها بالدور الرئيسي.

والحق أن الفن التشكيلي يقوم بدور رئيسي في العمل السينمائي. فمنذ نشأة السينما، وهي تعتمد على الفنانين التشكيليين في تصميم وتنفيذ ديكوراتها ومناظرها.

والتصوير السينمائي نفسه، سواء كان ملوناً أو غير ملون، أصبح يرقى في عدد قليل من الأفلام إلى مستوى الإبداع التشكيلي الخلاق.

 

  • Currently 122/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
41 تصويتات / 1992 مشاهدة
نشرت فى 7 أغسطس 2010 بواسطة masscommunication

ساحة النقاش

masscommunication
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,921,145