عرف العرب الأوائل "الرواة"،الذين يحكي التراث الكثير عنهم بوصفهم فنانين مسرحيين لا شك فيهم، فنانين من طراز ممتاز، فلا أحد يكتب لهم شيئاً، وإنما تلتقط عيونهم الحادة خصائص البشر وعيوبهم، فيجمعون هذه الخصائص والعيوب في شخصية كلية أو مركبة، كما يقول النقد الحديث،  ويجعلون منها مادة للفكاهة التي تسر عامة الناس وخاصتهم.

ويحمل التراث بيان أصدره الخليفة المعتمد يحظر فيه نشاط هؤلاء الفنانين، مما يبرهن على أنهم قد كثروا كثرة مفرطة على عهده، وأنهم كانوا يتخذون من المسجد والجامع مقراً لهم يحكون فيه الحكايات بهذه الطريقة التمثيلية الواضحة.

وقد حفظ الجاحظ، بعينه الخبيرة، صورة دقيقة لفن هؤلاء الرواة، أو الممثلين في الواقع، ممثلين فوريين يتخذون مادتهم من الواقع مباشرة، وهو فن قريب الشبه من فن الارتجال المسرحي الحديث. قال الجاحظ: "إنا نجد الحاكية من الناس يحكي ألفاظ سكان اليمن مع مخارج كلامهم، لا يغادر من ذلك شيئا. وكذلك تكون حكايته للخراساني والأهوازي والزنجي والسندي والأحباش وغير ذلك. نعم حتى تجده كأنه أطبع منهم، وتجده يحكي الأعمى بصور ينشئها لوجهه وعينيه وأعضائه لا تكاد تجد في ألف أعمي واحداً يجمع ذلك كله، فكأنه قد جمع جميع طرف حركات العميان في أعمى واحد ".

كذلك كان الشعب العربي في الجزيرة العربية واليمن والعراق ومصر يتسلى في تلك الأوقات البعيدة بفن القراد والحواء، كما لا يزال يفعل حتى يومنا هذا في بعض شوارع المدن العربية وبلدانها وقراها وأسواقها وموالدها. وكان الخليفة المتوكل يكن وداً خاصاً للممثلين وأصحاب المساخر والملاعب المضحكة عامة. فما من مناسبة اجتماعية مرت به إلا ودعاهم للعب أمامه. ولما انتهى من بناء قصره "الجعفري"، استدعى أصحاب الملاهي ومنحهم بعد الحفل مليونين من الدراهم، ويعد الخليفة المتوكل من أوائل من اشتغلوا بالإخراج المسرحي إذ ذات مرة شرب فيها في قصره المسمي "البركوار"، فقال لندمائه: "أريد أن أقيم احتفالاً بالورد، ولم يكن ذلك أوانها. فقالوا له: ليست هذه أيام ورد، ولكن الخليفة الفنان لم يقف حائراً أمام هذه العقبة، فأمر بسك خمسة ملايين درهم من الوزن الخفيف وطلب أن تصبغ بالألوان: الأسود والأصفر والأحمر، وأن يترك بعضها على لونه الأصلي، ثم انتظر حتى كان يوم فيه ريح فأمر أن تنصب قبة لها أربعون باباً، فجلس فيها والندماء حوله، وأمر المتوكل إذ ذاك بنثر الدراهم كما ينثر الورد، فكانت الريح تحملها لخفتها، فتتطاير في الهواء كما يتطاير الورد. وبهذا كان للخليفة الفنان والمخرج المسرحي ما أراد. وكان المتوكل إلى جانب هذا التوجه إلى فنون العرض المسرحية يكن وداً خاصاً لجماعة الممثلين الهزليين "السمّاجة"، وذات يوم دخل عليه اسحق بن إبراهيم فوجد هؤلاء الممثلين وقد قربوا منه للقط دراهمهم التي تنثر عليهم، وجذبوا ذيل المتوكل. فلما رأى إسحق ذلك، ولى مغضباً وهو يتمتم "فما تغني حراستنا المملكة مع هذا التضييع". ورآه المتوكل وقد ولى فقال لحراسه: ويلكم، ردوا أبا الحسين، فقد خرج مغضباً، فردوه حتى وصل إلى المتوكل. فقال ما أغضبك؟ ولما خرجت ؟ فقال: يا أمير المؤمنين عساك تتوهم أن هذا الملك ليس له من الأعداء مثل ما له من الأولياء ! تجلس في مجلس يبتذلك فيه مثل هؤلاء الكلاب تجاذبوا ذيلك، وكل واحد منهم متنكر بصورة منكرة، فما يؤمن أن يكون فيهم عدو له نية فاسدة وطوية رديئة، فيثبت بك. فقال المتوكل: يا أبا الحسين لا تغضب، فالله لا تراني على مثلها أبداً. وبني للمتوكل بعد ذلك مجلس مشرف ينظر منه إلى السمّاجة "الممثلين". وهكذا لم يتخل المتوكل عن حبه لتمثيل السّمّاجة، وإنما صنع لنفسه مقصورة يرى منها العرض عن بعد. أي أنه بنى مسرحاً بدائياً. ممثلوه السماجة والمتفرج الوحيد المتوكل ليعتبر هذا المسرح أول بداية لبناء مسرح عربي تطور بعد ذلك للشكل المتعارف عليه.

ويحمل التراث العربي الكثير عن بدايات أصبحت فيما بعد ذلك نواة المسرح العربي الذي لم يكن له أن يولد قبل مولد هذه المحاولات التي احتاجت مئات السنين لتصبح مسرحاَ عربياً صريحاً. فمن جماعة الممثلين الهزليين الأولين والذين كان يطلق عليهم اسم السمّاجة، بتشديد الميم، الذين كانوا يحاكون حركات بعض الناس ويمثلونهم في مظاهر مضحكة إيناساً للناس، ووصولاً إلى الممثل المسرحي المعاصر على مسارح الوطن العربي، كان الطريق طويلاً وشاقاً.

يحمل التراث العربي كثيراً من الصور المسرحية، فكثير من الاحتفالات والمناسبات الرسمية كانت تخرج إخراجاً مسرحياً متقناً، حتى أن جلوس الخليفة على عرشه كان في حد ذاته حفلاً حافلاً بالألوان والأضواء والحركة المرتبة من قبل، إذ يجلس على كرسي مرتفع في عرش من الحرير، وعلي رأسه عمامة سوداء، ويتقلد سيفاً، ويلبس خفاً أحمر، ويضع بين يديه مصحف، ويقف الغلمان والخدم من خلفه وحوله متقلدين السيوف، وفي أيديهم بعض أسلحة الحروب، وتمد أمامه ستارة، إذا دخل الناس رفعت وإذا أريد مدت، ويرتب في الدار قريباً من المجلس خدم بأيديهم قس البندق يرمون بها الغربان والطيور لئلا ينعب ناعب أو يصوّت مصوّت.

فهذا منظر مسرحي كامل لا شك فيه لم تغب عنه حتى الستارة، التي ترفع إذا بدأ المشهد بدخول الناس، وتمد أمامه مؤذنة بانتهاء اللعب، إذا ما شاء المخرج والممثل الأول في المشهد، بل أن ذات مرة جرؤ واحد من الندماء في بلاط المتوكل اسمه "أبو العنبس الصيمري" على أن يقدم أمام الخليفة مشهداً فكاهياً قلّد فيه إنشاد الشاعر البحتري تقليداً مضحكاً، ولم يعترض الخليفة على هذا الهزء من شاعر مجيد كالبحتري. بل كان الظن أنه هشّ له وبشّ، على أن تمام التحام فنون الأداء قد جاء في ميداني الغناء والموسيقى وما لحق بهما من رقص.

بل كانت هناك نظرة رفيعة ينظر بها إلى هذه الفنون في عصر الخلفاء العباسيين وخاصة على عهد المتوكل، إذ كانت زوجة الخليفة المتوكل نفسه "فريدة" تتقن الغناء. وبدأ انتشار الغناء الذي دفع إلى قيام ما يشبه دور المسارح الغنائية في عصرنا الحالي باستثناء غياب عنصر الاتجار الفني عنها.

أما الدُّور التي لا شك في أنها كانت ملاهي تجارية بالمعنى العصري فهي الحانات التي كان يقصدها أفراد من الطبقة الوسطي بينهم الشعراء، وفيها يدور الشراب ويسمع الغناء ويجري الرقص في غيبة من القانون أو بإغماض للطرف منه.

استمرت هذه الفنون المختلفة ولكن ظهر فن هو أقرب ما يكون للفن المسرحي ويعد البدايات الحقيقية للمسرح العربي، هو "مسرح الظل" الذي عرفه العرب أيام العباسيين، وهو أول لون من ألوان العروض يرتبط بالأدب العربي. وقد قام المسرح الظلي على بعض الأسس النظرية الفنية على يد ابن دانيال وهي:

"مسرح شعبي بالجمهور وللجمهور، وفن منوع يمزج الحقيقة بالخيال، والجد بالهزل، ويعتمد على أوسع قدر من مشاركة الناس فيه، بالمال والحضور والاستمتاع".

ثم يقدم ابن دانيال مادة مسرحية حقيقية بعد هذا. يخوض بحور الكلام وأكداس العبارات وينتقي منها جميعاً جواهر فنية، ويبتكر بعضاً من الشخصيات المسرحية الشعبية التي لا تزال موجودة حتى الآن: أمثال أم رشيد الخاطبة، والقوادة، والكاتب القبطي المدلس، والشاعر المزيف المتعاجب بالألفاظ الجوفاء، والطبيب الدجال الذي يرى الكسب أهم بكثير من أرواح ضحاياه، كل هؤلاء نجدهم في بابة "طيف الخيال". أما في البابة الثانية التي أبدعها ابن دانيال واسمها "عجيب وغريب"، فإن الهدف الرئيس هو إمتاع الجمهور وبهره بمناظر وشخصيات منتقاة من السوق: الواعظ والحاوي، وبائع الأعشاب "الشربة العجيبة كما يقال اليوم" والمشعوذ والمنجّم، والقرّاد ومدرّب الأفيال، والراقص والعبد الأسود الذي يجمع بين البهلوان والمغني، الخ.

كل هذه الشخصيات كان ينتزعها ابن دانيال من واقع السوق ويجعل لها وجوداً فنياً على المسرح عن طريق المقصوصات، أي عن طريق رسمها على الجلد وإحالتها إلى دمي ذات بعدين يحركها اللاعب المؤدي من وراء ستار.

إن نظرة ابن دانيال إلى فنه، وهي نظرة جادة من وراء الهزل، تجعله يضفي على مقصوصاته هذه الحياة الإضافية، التي تضيف إلى الدمي بعداً ثالثاً، وتكاد تجعلها شخصيات إنسانية حقيقية تتحرك على المسرح.

كل هذا يشهد بأن العرب قد عرفوا دراما كاملة، ذات نظرية وممارسة عملية واضحتين وذات صلات ليست أقل وضوحاً بالجسم العام للدراما. وما قدم عربياً لا يعد مسرحاً حقيقياً بما قدمه من أمثلة تطبيقية لفن المسرح فحسب، بل وبما زرع من تقاليد مسرحية غرست فكرة المسرح في نفوس الناس وحفظتها من الضياع، إلى أن جاء الوقت الذي عرف فيه العرب المحدثون المسرح البشري نقلاً عن أوروبا.

وعن طريق "خيال الظل" عرف المصريون لقرون متوالية، عادة الذهاب إلى المسرح بما في هذا من مقومات مادية واضحة: الإضاءة، والألوان، والأزياء، والحوار، وفنون الأداء المختلفة من رقص وغناء وموسيقى، ثم قصة مسرحية من نوع آخر تعتمد على نوع من الحوار.

والنتيجة العميقة لهذا كله أن مصر العربية كانت مهيأة أكثر من غيرها من البلاد العربية المجاورة لتقبل فكرة المسرح عامة، والمسرح البشري بصفة خاصة حين أخذت الفرق المسرحية والأفكار المسرحية ذاتها ترد إلى المنطقة العربية ابتداء من نهاية القرن الثامن عشر الميلادي.

  • Currently 141/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
48 تصويتات / 416 مشاهدة
نشرت فى 12 أغسطس 2010 بواسطة masscommunication

ساحة النقاش

masscommunication
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,944,327