جاءت أقدم إشارة إلى وجود فن مسرحي يؤديه البشر في أحد البلاد العربية "مصر" في كتاب الرحالة "كارستين نيبور" الذي وصل إلى الإسكندرية في 26 سبتمبر1761م، ومكث في مصر سنوات طويلة يختلط بسكانها بين مصريين وأوربيين.

وصف "نيبور" عروض الشوارع وصفاً دقيقاً. أشار أولاً إلى فن الغوازي، وذكر أنهن يعملن لقاء أجر، ثم انتقل نيبور إلى فن الأراجوز وفن خيال الظل، وأخيراً يرد ذكر فن المسرح حيث كان بمصر عدد كبير من الممثلين ما بين مسلمين ونصارى ويهود، ينم مظهرهم عن فقر شديد، وهم يمثلون أينما يدعون، لقاء أجر قليل، ويعرضون فنهم في العراء، في فناء منزل يصبح آنذاك مسرحهم، ويسحبون على أنفسهم ساتراً يبدلون وراءه ملابسهم إلى ملابس التمثيل، في أمن من الأعين.

في عام 1815م قدمت فرقة شعبية مصرية مسرحيتين في حفل أقيم في منطقة شبرا، وتعد هذه المحاولة من أوائل محاولات المسرح الشعبي بالوطن العربي. كان الحفل قد بدأ بالموسيقي والرقص التقليديين ثم قام جمع من الفنانين بتمثيل المسرحية الأولى التي تدور حول رجل يريد أن يؤدي فريضة الحج، فيذهب إلى راعي إبل ويطلب إليه أن يحصل له على جمل مناسب يركبه إلى مكة، ويقرر الجمال أن يغش الحاج المنتظر، فيحول بينه وبين رؤية صاحب الجمل الذي قرر أن يبيعه له، ومن ثم يطلب في الجمل مبلغاً أكبر مما طلب صاحبه، بينما يعطي صاحب الجمل مبلغاً أقل بكثير مما دفع الشاري، ويحتفظ بالفارق لنفسه. ثم يدخل جمل مكون من رجلين تغطيا بالكسوة التقليدية، وظهرا كما لو كانا جملاً حقيقياً على أهبة الاستعداد للرحيل إلى مكة. ويركب الحاج الجمل فيكتشف أنه ضعيف، قليل الهمة، فيرفض أن يقبله ويطلب أن تعاد إليه نقوده، وينشب بين الحاج والجمّال نزاع، ثم يتصادف أن يدخل صاحب الجمل، فيتبين هو والشاري أن الجمّال لم يكتف بخداع الاثنين فيما يخص الثمن، بل أنه احتفظ لنفسه بالجمل الأصلي وأعطى الشاري جملاً حقير الشأن. وتنتهي المسرحية بهرب الجمّال بعد أن أخذ حظه من الضرب المبرح.

هذا النموذج المسرحي الشعبي يوضح أنه كان هناك طوال القرن التاسع عشر الميلادي على الأقل دراما محلية تماماً، خالية من المؤثرات الأجنبية التي أخذت تتعامل مع فن التمثيل في مصر منذ بداية القرن التاسع عشر الميلادي، وما لبثت أن أثرت تأثيراً بارزاً في حرفية هذا التمثيل، مما بدا واضحاً منذ قيام مسرح يعقوب صنوع في لبنان حتى الآن.

كما أن النموذج السابق يعدّ كوميديا انتقادية تنتزع موضوعها من الواقع الحي المحيط بالممثلين والنظارة، وترضي جمهورها بالإمتاع والنصح معاً، على عادة الفن الشعبي. وهي تحوي شيئاً من التركيب الفني يتمثل في الظهور المفاجئ لصاحب الجمل، والانكشاف المزدوج الذي يتعرض له الجمّال، وهو انكشاف يشير بدوره إلى شيء من العمق في هذه الشخصية، فهي ليست مسطحة مثل شخصيتي البائع و الشاري، وإنما لا بد لها من قدرة على التمثيل والتحايل حتى تستطيع أن تتعامل مع الرجلين كل بطريقة تجوز عليه.

إن وجود مسرح خيال الظل ومسرح الأراجوز والقراد والحاوي في الوطن العربي، يعطي دلالة على الطاقة التمثيلية الكبرى التي تمتع بها العرب قروناً طويلة قبل أن يفد المسرح البشري الغربي على أيدي فرق أجنبية عديدة.

وحتى في الوقت المعاصر وفي سوق جامع "الفناء" بمراكش يوجد مسرح الحلقة في أشكال متعددة، وكذلك مسرح الممثل الفرد الذي يؤدي وحده جميع الأدوار ورقصاً شعبياً مخلوطاً بأداء تمثيلي فكاهي. كما أن بالمغرب في الشمال الأفريقي هناك أشكال "مسرح الحلقة" و"مسرح البساط". وهذا كله يدل على وجود دراما بشرية شعبية عرفتها الأقطار العربية قبل المسرح البشري الغربي، وهو ما يطلق عليه المسرح الشعبي البشري العربي.

  • Currently 105/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
35 تصويتات / 732 مشاهدة
نشرت فى 12 أغسطس 2010 بواسطة masscommunication

ساحة النقاش

masscommunication
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,921,143