تمر الرسالة بمراحل عديدة، وهي تنتقل من المصدر حتى تصل إلى المتلقي، وتشبه هذه المراحل السلسلة المكونة من عدة حلقات، أي وفقاً لاصطلاحات هذه النظرية فأن المعلومات في عملية الاتصال هي مجرد سلسلة تتصل حلقاتها.
وأبسط أنواع السلاسل هي سلسلة الاتصال المباشر المواجهي، من فرد إلى آخر، ولكن هذه السلاسل في حالة الاتصال الجماهيري تكون طويلة ومعقدة جداً، لأن المعلومات التي تدخل شبكة اتصال معقدة مثل الجريدة، أو محطة الإذاعة أو التلفزيون، عليها أن تمر بالعديد من الحلقات أو الأنظمة المتصلة، فالحدث الذي يحدث في العراق مثلاً، يمر بمراحل عديدة قبل أن يصل إلى القاريء في أمريكا أو أوربا أو الشرق الأوسط، ونجد قدر المعلومات التي تخرج من بعض تلك الحلقات أو الأنظمة أكثر مما يدخل فيها، لذلك يسميها (شانون) أجهزة تقوية، فأجهزة التقوية أي وسائل الأعلام تستطيع أن تصنع ( في نفس الوقت) عدداً كبيراً جداً من الرسائل المتطابقة، مثل نسخ الصحف، وتوصلها للجمهور، كما توجد في هذا النوع من السلاسل شبكات معينة من الأنظمة داخل الأنظمة، فوسائل الإعلام نفسها هي شبكات من الأنظمة المتصلة بطرق معقدة، بحيث تقوم بوظيفة فك الرموز أو الشيفرة والتفسير وتخزين المعلومات، ثم وضعها مرة أخرى في رموز، وهي الوظيفة التي يؤديها كل القائمين بالاتصال، كذلك فإن الفرد الذي يتلقى رسائل وسائل الأعلام هو جزء من شبكة علاقات موجودة داخل الجماعة، ويعاون أُسلوب عمل هذه الشبكة واقع المجتمع الذي ترتفع فيه نسبة المتعلمين ودرجة التصنيع، حيث يزداد اعتماده على سلاسل وسائل الأعلام،أما المجتمع الذي تنخفض فيه نسبة المتعلمين ودرجة التصنيع(البدائي) فتنتقل فيه غالبية المعلومات عن طريق سلاسل الاتصال الشخصي.
ومن الأمور الجديرة بالملاحظة أنه في المجتمعات التي تخضع فيها وسائل الأعلام للسيطرة القومية يبدأ الأفراد في التشكيك في صدق ما تنشره وسائل الاتصال الجماهيرية، لذلك تصبح سلاسل الاتصال الشخصي المواجهي، من فرد إلى فرد، مهمة جداً، وطويلة جداً، وتتطور بجوار سلاسل وسائل الأعلام الجماهيرية، وفي هذه الحالة نجد أن سلاسل الاتصال الشخصي، التي تنقل الإشاعات والأقاويل والمعلومات الخفية، بجميع أنواعها - من فرد إلى فرد - تقوم بالرقابة على وسائل الأعلام، وتكملة نواحي النقص فيها.
ويجب أن نعرف كيف تعمل سلاسل الاتصال، وكيف تنتقل المعلومات في جميع أنحاء المجتمع، فمن الحقائق الأساسية التي أشار أليها العالم (كرت لوين) أن هناك، في كل حلقة، ضمن السلسلة، فرد ما، يتمتع بالحق في أن يقرر ما إذا كانت الرسالة التي تلقاها، سينقلها أو لن ينقلها، وما إذا كانت تلك الرسالة ستصل إلى الحلقة التالية، بنفس الشكل الذي جاءت به، أم سيدخل عليها بعض التغييرات والتعديلات. وحراسة البوابة تعني السيطرة على مكان استراتيجي في سلسلة الاتصال، بحيث تصبح لحارس البوابة سلطة اتخاذ القرار، فيما سيمر من خلال بوابته، وكيف سيمر، حتى يصل في النهاية إلى الوسيلة الإعلامية، ومنها إلى الجمهور.
يقول لوين أن المعلومات تمر بمراحل مختلفة حتى تظهر على صفحات الجريدة أو المجلة أو في وسائل الأعلام الإلكترونية، وقد سمي لوين هذه المراحل ((بوابات)) وقال أن هذه البوابات تقوم بتنظيم كمية أو قدر المعلومات التي ستمر من خلالها، وقد أشار لوين إلى فهم وظيفة ((البوابة)) يعني فهم المؤثرات أو العوامل التي تتحكم في القرارات التي يصدرها (حارس البوابة).
بمعنى آخر، هناك مجموعة من حراس البوابة يقفون في جميع مراحل السلسلة التي يتم بمقتضاها نقل المعلومات، ويتمتع أولئك الحراس بالحق في أن يفتحوا البوابة أو يغلقونها أمام أي رسالة تأتي إليهم، كما أن من حقهم أجراء تعديلات على الرسالة التي ستمر،على سبيل المثال، يستطيع أي فرد أن يقرر ما إذا كان سيكرر أو يردد إشاعة معينة أو لا يرددها، ونحن نعلم أن الإشاعات حينما تنتقل من فم إلى فم تطرأ عليها - في الغالب - بعض التغييرات وتتلون بالاهتمامات الخاصة للفرد الذي يقوم بنقلها أو بمعلوماته، وحينما تطول السلسلة، نجد أن بعض المعلومات التي تخرج من نهايتها لا تشبه المعلومات التي دخلتها في البداية، إلا في نواح قليلة، فإذا أخذنا في الاعتبار ما يحدث في السلاسل التي تحمل الأخبار حول العالم، وتتبعنا خبراً من الأخبار ينتقل، على سبيل المثال، من اليابان أو الهند إلى مدينة في إحدى ولايات أمريكا، نلاحظ أنه يمر بمراحل كثيرة..أول حارس بوابة في هذه الحالة هو الفرد الذي يلاحظ الحدث وقت وقوعه، ولنفترض أن الذي حدث كارثة طبيعية، هذا الفرد ينتقي - بلا شعور- أشياء معينة يلاحظها، ولا يلاحظ أشياء أخرى، أي يرى أشياء ويغفل أشياء أخرى، وقد يتحدث ويشير إلى نواحي ويهمل نواحي أخرى. بعد حارس البوابة الأول هذا يأتي حارس البوابة الثاني، وهو المخبر الصحفي الذي يحصل على الخبر من شاهد العيان، (أي الفرد الذي شاهد الحدث نفسه)، وقد يتصل الصحفي بأكثر من شاهد عيان لكي يكوّن فكرة كاملة عن الحادث، وفي جميع الحالات، يقوم المخبر هو الآخر، بانتقاء أو اختيار الحقائق التي سينقلها، والحقائق التي سيهملها، فهو الذي سيقرر الجوانب التي سيختارها ويحدد مدى الأهمية التي سيعطيها للحدث.
بعد ذلك يسلم المخبر الخبر إلى مكتب وكالة الأنباء التي يتبعها، وفي الوكالة يقوم محرر آخر باتخاذ قرار معين، عن تلك القصة الإخبارية، فيقرر ما إذا كان سيختارها من مئات الأنباء لكي ينقلها تلغرافيا إلى المشتركين في الوكالة أم يختصرها أم يضيف أليها أم يغيرها أم ينقلها كما هي، وبعد ذلك يأتي دور محرر الأخبار الخارجية الذي يتلقى البرقيات في الجريدة، ويقرر مدى الأهمية التي سيعطيها للقصة الإخبارية، وبالتالي المساحة التي يجب أن تخصص لها، فالمشكلة أن هناك باستمرار أخباراً أكثر مما يمكن إرسالها، وأخباراً أكثر مما يمكن نشرها، لذلك لابد في النهاية من الاختيار بين المواد الكثيرة التي تصل الوكالة أو الصحيفة أو الإذاعة، فهذه الوسائل تصلها أنباء ليس فقط من وكالات الأنباء بل من محررين في جميع أنحاء العالم، ومن صحف أخرى، ومن محطات إذاعة وتلفزيون عديدة، وحراس البوابة في جميع تلك المراحل، على طول السلسلة، يسمحون لنسبة محدودة من آلاف المواد الإعلامية التي تصلهم، بالانتقال إلى المراحل التالية، وفي النهاية يختار المحرر في الجريدة عشرات الأخبار فقط لينقلها إلى قرائه، فكل قرار يتخذ بتوصيل أو نقل شيء هو قرار كبت أو إخفاء شيء آخر، وما يخرج أو يُحجب هو نتيجة لعديد من الضغوط المتنافسة، علينا أن نحددها ونوضحها حتى نفهم كيف تقوم وسائل الأعلام بعملها.
من الواضح أن حارس البوابة الذي يقول (نعم ) أو (لا) بشأن الرسائل التي تصله، على طول السلسلة، يلعب دوراً مهماً في الاتصال الاجتماعي، وبعض حراس البوابة أهم من غيرهم، فنجد أن نسبة كبيرة جداً من السلاسل تركز الضوء على بعض الأفراد في المجتمع، ممن يمكن أن يكون لهم (نفوذ) أو (قادة الرأي) أو (الصفوة) الذين يتميزون عن الآخرين بأنهم يقرأون أكثر ويطلعون على وسائل الإعلام أكثر، ولهم اتصالات شخصية أوسع من الآخرين، وهو أمر له أهمية خاصة لأن هؤلاء الأفراد يتمتعون باحترام كبير،ويعتبر أولئك الأفراد بدورهم ( حراس بوابة).
وفي السلاسل الإخبارية، فإن المحرر في وكالة الأنباء والمحرر في الجريدة يتلقيان اكبر عدد من البرقيات الإخبارية، وهما مسئولان عن اتخاذ أكبر عدد من القرارات، ولهذا يصبح لأمانة ذلك المحرر وموضوعيته ومستوياته الإخبارية والمهنية، أهمية خاصة، كذلك بالنسبة لقادة الرأي، فإن اتساع معرفتهم وتنمية قدراتهم لها أهمية كبيرة، لأن لهم دورا مهماً في تحديد ما يعرفه الرأي العام.

المصدر: د. محمد جاسم فلحي الموسوي http://www.ao-academy.org/wesima_articles/library-20060523-456.html
  • Currently 140/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
46 تصويتات / 11596 مشاهدة

ساحة النقاش

masscommunication
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

2,225,288