إذا كانت نظريات الإعلام الغربية قد ركزت على الحقوق والحريات والتأثيرات السياسية لوسائل الإعلام، فأن النظريات التي اهتمت بتفسير واقع الأنظمة الإعلامية في دول العالم الثالث أو الدول النامية، قد ركزت على طبيعة الدور الذي ينبغي أن تسهم به وسائل الإعلام في تحقيق التنمية الشاملة والمستقلة، وتبرز في هذا الإطار نظريتان أساسيتان :
اولاً-النظرية التنموية :
صحافة التنمية كما يعرفها "ليونارد سوسمان" هي تركيز الصحفيين الموضوعيين على أخبار أحدث التطورات في مجالات التنمية المختلفة، الأمر الذي يؤدي إلى نجاح التنمية الاقتصادية وتحقيق الوحدة الوطنية.
وتتطلب صحافة التنمية من الصحفي كما يقول "ناريندر أجاروالا" أن يتفحص بعين ناقدة ويقيّم ويكتب عن مدى ارتباط المشروع التنموي بالحاجات المحلية والقومية ويتفحص الاختلافات بين الخطة وتطبيقها، والاختلاف بين آثارها على الناس في تصريحات المسئولين وبين آثارها الفعلية، ونلاحظ هنا التناقض بين الاستخدام الحكومي للصحافة في خدمة التنمية، وبين الدور الرقابي للصحافة في ظل السيطرة الحكومية بتراجع النقد وتتحول أخبار التنمية إلى دعاية سياسية للحكومة وقيادتها.
ووفق هذه النظرية تتلخص مهام وسائل الإعلام في عملية التنمية في النقاط التالية:
أ- تشكيل اتجاهات الشعب وتنمية هويته الوطنية.
ب- مساعدة المواطنين على إدراك أن الدولة قد قامت بالفعل على أداء التزاماتها على الوجه الأكمل.
ج- انتهاج سياسات تقررها الحكومة بهدف المساعدة في تحقيق التنمية الوطنية.
د- تشجيع المواطنين على الثقة بالمؤسسات والسياسات الحكومية مما يضفي الشرعية على السلطة السياسية ويدعم مركزها.

هـ - الإسهام في تحقيق التكامل السياسي والاجتماعي من خلال تجنب الصراعات السياسية والاجتماعية وإحباط أصوات التشرذم والتفرقة والتخفيف من التناقضات في القيم والاتجاهات بين الجماعات المتباينة.
و- المساعدة في الاستقرار والوحدة الوطنية وتغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الذاتية.
ز- إبراز الإيجابيات وتجاهل السلبيات وتقليل حجم النقد إلى حجمه الأدنى.
وتأسيساً على ذلك تبرز قضية سوء استخدام صحافة التنمية خاصة في إطار الاحتكار الحكومي للصحف، حيث تتحول طاقات الصحف لخدمة هدف تدعيم مركز السلطة السياسية وتصبح أهداف التنمية الوطنية ذات أهمية ضئيلة، وتتحول حرية الصحافة كما يشير "جراهام مايتون" لتبدو نوعاً من الترف الفكري في نظر المتحمسين لمفهوم صحافة التنمية، ويوضح فاروق أبو زيد أنه في الدول العربية التي ادعت ضرورة توجيه الصحافة لخدمة التنمية والقضايا القومية انتهى الأمر بتوظيف الصحف لتدعيم النظام السياسي الحاكم والترويج لأفكاره والدفاع عن سياساته.
وهكذا فلم تلبِ هذه النظرية واقع الأنظمة الاتصالية في دول العالم الثالث، الأمر الذي يؤكد الضرورة إلى صياغة نظريات جديدة من إنتاج مفكري العالم الثالث، بحيث تخاطب الواقع بمفهومه وتعقيداته المتشابكة.

ثانياً- نظرية التبعية الإعلامية :
ظهرت هذه النظرية في دول أمريكا اللاتينية، في حقبة ما بعد الاستقلال، كرد فعل لإخفاق نظريات التحديث الغربية في تفسير أسباب التخلف في الدول النامية، وتتلخص في أن ما تقدمه الدول الصناعية من تكنولوجيا إعلامية وأنظمة وممارسات مهنية إعلامية ومواد وبرامج إعلامية للدول النامية لاستهلاكها يعمل على صنع وتعميق التبعية الإعلامية لهذه الدول، وزيادة اعتمادها على الدول الصناعية المتقدمة
ويقول أهم منظري هذه النظرية "شيلر وماتللارات وبويد باريت" أن هذه التكنولوجيا والأنظمة والممارسات الإعلامية المنقولة من دول العالم المتقدم تعمل على تشويه البنيات الثقافية في دول العالم النامي، وتسهم في إحداث سلبيات عديدة مثل خلق الثقافة المهجنة والتغريب الثقافي والغزو الثقافي، وفي هذا الإطار جاءت جهود منظمة اليونسكو التي أسهمت في تقديم منظور نقدي يتميز بالشمول والموضوعية في محاولة لتجاوز الرؤى الجزئية التي تسعى إلى تسييد الرؤية الغربية في الإعلام والاتصال، مما ترتب عليه تجاهل وإغفال الحقوق الاتصالية لشعوب الجنوب، ولقد حرصت لجنة "ماكبرايد" على طرح تصور شامل يتضمن رؤية ومطالب دول الجنوب في مجال الاتصال والإعلام حيث أبرز تقريرها ضرورة المبادرة إلى تطوير المفهوم التقليدي السائد عن سياسات الاتصال والعمل على تغيير الهياكل الاتصالية السائدة والأخذ بالنظام المفتوح في الاتصال الذي يتيح إشراك الجماهير في العملية الاتصالية، وتكشف لنا النظرة المتعمقة لتجارب العالم الثالث حقيقة الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام في تشكيل اتجاهات الرأي العام بصورة خادعة ومضللة ومستهدفة في الأساس إضفاء الشرعية على السياسات الاستبدادية للسلطات السياسية الحاكمة، واعتمادها على تكنولوجيا الاتصال والمعلومات التي تتحكم فيها الشركات متعددة الجنسيات، إلى جانب القوى المحلية ذات النفوذ السياسي والاقتصادي.
نخلص مما سبق إلى أن نظرية التبعية الإعلامية قد أعطت اهتماماً متزايداً للأبعاد الثقافية والتاريخية والدولية في تفسيرها للعلاقة بين وسائل الإعلام والسلطة السياسية ودورها في إطار التبعية الإعلامية والغزو الثقافي.
إلا أنه يؤخذ عليها مبالغتها في تقدير أهمية المتغيرات الخارجية وتأثيرها في الأنظمة والسياسات الاتصالية لدول العالم الثالث، الأمر الذي يقلل كثيراً من أهمية المتغيرات الداخلية فبالرغم مما تمثله الضغوط الدولية من أهمية إلا أن صياغة السياسات الإعلامية مسؤولية وطنية في المقام الأول ويفترض فيها أن تعكس الإرادة الشعبية تصون الذاتية الثقافية.
وأياً كأن الأمر فإن نظرية التبعية الإعلامية في حاجة إلى جهود جديدة لمراجعتها على ضوء المتغيرات الدولية التي برزت في أواخر الثمانينيات، ابتداءً بانهيار الشيوعية وسقوط القطبية الثنائية ومروراً بالنظام العالمي الجديد، وما سمي بعولمة الاقتصاد والسياسة، وانتهاءً بالثورة التكنولوجيا في عالم الاتصال، والحديث عن عولمة الثقافة وصراع الحضارات.
ويمكننا أن نحدد الأنظمة الإعلامية السائدة في العالم الثالث على النحو التالي:
1- نظام إعلامي يقع تحت سيطرة الدولة في إطار مفهومي التنمية والوحدة الوطنية والرقابة تكون صارمة على المضمون.
2- نظام إعلامي موجه من الدولة: تكون الوظيفة الأساسية للصحافة تعبئة الجماهير من أجل التنمية وتدعيم الوحدة الوطنية فتحل المسؤولية القومية محل المسؤولية الاجتماعية.
3 - نظام إعلامي مستقل تتمتع فيه الصحافة بقدر من الحرية بعيداً عن التدخل المباشر للحكومة وتستطيع الصحافة في ظله أن تظهر استقلالية عنيفة في مواجهة الضغوط الحكومية.
ولعل هذا التصنيف أكثر مرونة في تصنيف الأنظمة الإعلامية في العالم الثالث، فمن الصعب إخضاعها لتصنيفات جامدة نظراً لما تتضمنه من تناقضات وتعقيدات.

المصدر: د. محمد جاسم فلحي الموسوي http://www.ao-academy.org/viewarticle.php?id=457
  • Currently 202/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
66 تصويتات / 5186 مشاهدة
نشرت فى 14 أغسطس 2010 بواسطة masscommunication

ساحة النقاش

masscommunication
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,920,322