تنفرد الصحافة العربية بموروث سلطوي فريد بحكم نشأتها في أحضان السلطة، وتطبيق ما أحدثه الاستعمار وخلفه من قيود وممارسات معادية لحرية الصحافة وقد أنعكس هذا المورث السلطوي بشكل واضح على التشريعات والسياسات والممارسات لدرجة التطابق بين الأنظمة الصحفية والأنظمة السياسية، والتعامل مع ما ينشر في معظم الصحف العربية على أنه يمثل وجهات النظر الرسمية للحكومات العربية، وسنحاول تحديد أبرز ملامح الأنظمة الصحفية العربية من خلال بعض الدراسات التي تناولت قوانين المطبوعات والصحافة العربية والعلاقة بين الصحافة والسلطة السياسية وتطور الصحافة العربية خلال مرحلتي الاستعمار والاستقلال، ففي دراسة فاروق أبو زيد للأنظمة الصحفية العربية التي اعتمدت تحليل مضمون 16 قانون للمطبوعات في بلدان عربية مختلفة ،خلصت الدراسة إلى أن النظام الصحفي السلطوي يشكل الاتجاه الغالب على الأنظمة الصحفية العربية إلا أنه لا يوجد نظام صحفي عربي نقي، حيث تتداخل خصائص الأنظمة الليبرالية والسلطوية والاشتراكية نتيجة الخلط القائم في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات العربية.
وفي محاولة لتطبيق نظريات الصحافة الغربية على واقع الصحافة العربية توصلت الدكتورة عواطف عبد الرحمن إلى أن هناك كثيراً من أوجه الشبه بين النظرية السلطوية وممارسات الصحافة العربية، وعلى الرغم من وجود بعض التشابه بين النظرية الاشتراكية وبين الأوضاع الإعلامية العربية إلا أنها ترى أنه من العسير أن لم يكن من المستحيل تعميم هذه النظرية.
أما النظرية الليبرالية فأنها لا تصلح للتطبيق على الصحافة العربية ولا تلائم الواقع السياسي والاقتصادي العربي الراهن حيث تسود الأمية والفقر والتخلف الاجتماعي مع شيوع الأنظمة الأوتوقراطية المتسلطة.
ويوضح حماد إبراهيم أن النظام الصحفي السلطوي هو النظام السائد في الوطن العربي، حيث يبرز احتكار السلطة السياسية للنشاط الإعلامي والصحفي ولا تتسع أغلب الصحف العربية إلا لوجهات النظر الرسمية والارتفاع بمكانة صانع القرار المركزي والترويج لسياسات السلطة والتشكيك في الخصوم أو المعارضين السياسيين وتشويه صورتهم أمام الرأي العام.
وفي دراسة لدور وسائل الاتصال في صنع القرارات في الوطن العربي انتهى بسيوني حماده إلى أن هناك فجوة حقيقية بين النظامين السياسي والاتصالي، وأن هذه الفجوة لا تلغي التبعية، وأرجع هذه الفجوة إلى ميل النظام الاتصالي إلى الإثارة والمبالغة وعدم القدرة على التعبير عن الرأي العام، وغياب المعلومات الموثوق بها من جانب السلطة السياسية وعدم اهتمام صانعي القرارات بقراءة ما تنشره الصحف والنظر إلى الاستجابة لمطالب نظام الاتصال على أنه ضعف من السلطة السياسية.
نخلص من ذلك إلى أن أزمة حرية الإعلام والصحافة في الوطن العربي لا تنفصل عن أزمة الديمقراطية حيث تسود الأنظمة السلطوية التي تضع كل السلطات في يد رئيس الدولة سواء كان ملكاً أو رئيساً أو سلطاناً أو أميراً، وفي غياب التنظيمات السياسية الشعبية والديمقراطية وفي إطار عدم التوازن بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية تحولت معظم الصحف العربية إلى أجهزة حكومية مهمتها الدعاية لأنظمة الحكم وتعبئة الجماهير وحشدها لتأييد سياساتها وممارساتها.
ورغم ما شهدته بعض الدول العربية من تحول إلى نظام التعددية السياسية والصحفية إلا أن الأنظمة الصحفية في تلك الدول لم تتحرر حتى الآن من تراث النظرية السلطوية، حيث تهيمن الحكومة على الصحف المركزية الرسمية، وتمارس أشكالاً مختلفة من التنظيم والسيطرة مثل التحكم في تراخيص إصدار الصحف وتعيين رؤساء التحرير وتوجيه السياسات التحريرية والتحكم في تدفق المعلومات والإعلانات، علاوة على القيود القانونية التي تجيز مراقبة الصحف ومصادرتها وتعطيلها وحبس الصحفيين إذا تجاوز حق النقد الحدود المرسومة له.
وإن كان من الطبيعي أن تسود أنظمة صحفية سلطوية في تلك الدول ذات أنظمة الحكم الوراثية والأوتوقراطية فأنه من غير المقبول أن تستمر المفاهيم الصحفية السلطوية في تلك الدول التي تأخذ بالتعدد الحزبي وتتبنى المفاهيم الإعلامية والصحفية الحديثة.

المصدر: د. محمد جاسم فلحي الموسوي http://www.ao-academy.org/viewarticle.php?id=457
  • Currently 193/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
64 تصويتات / 1371 مشاهدة
نشرت فى 14 أغسطس 2010 بواسطة masscommunication

ساحة النقاش

masscommunication
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,920,322