انتشر في السنوات الأخيرة مصطلح المجتمع المدني في الأدبيات العربية للتعبير عن القوى الاجتماعية المختلفة والمتعددة التي تنشط في المجتمع في إطار منظم بهدف تحقيق مطالب واحتياجات الجماعات التي تمثلها.
يعتمد المجتمع المدني في أنشطته وفي تحقيق أهدافه على وسائل الإعلام للوصول إلى السلطة والفعاليات السياسية في المجتمع.
والسؤال الذي يُطرح هنا هو إلى أي مدى تساهم وسائل الاتصال الجماهيري في الوطن العربي في نشر ثقافة المجتمع المدني وإلى أي مدى تخدم وسائل الإعلام المجتمع المدني، ومن جهة أخرى إلى أي مدى يؤثر المجتمع المدني في وسائل الإعلام ويجعلها أدوات في خدمة المجتمع ووسائل للمراقبة والنقد والاستقصاء، وقوى مضادة تضمن التوازن داخل الآلة السياسية في المجتمع.
ومن هنا نتساءل عن ما هي الأدوار التي تلعبها المؤسسات الإعلامية في الوطن العربي فيما يتعلق بالتنشئة الاجتماعية ونشر الوعي السياسي والثقافة الديمقراطية وثقافة الحوار والاختلاف والتعددية والتنوع.
والعلاقة هنا جدلية بين المجتمع المدني ووسائل الإعلام حيث أن المجتمع المدني يتأثر بوسائل الإعلام ويؤثر فيها ومن جهتها تتأثر وسائل الإعلام بالمجتمع المدني وتؤثر فيه.


فكلما كان المجتمع المدني قويا وفعالا ومشاركا في مجريات الأحداث في المجتمع كلما فتح المجال واسعا أمام وسائل الإعلام لتغطية هذه الفعاليات والأحداث لتكون المؤسسات الإعلامية بذلك في المجتمع منبرا للحوار والنقاش من أجل القرار السليم والحكم الراشد.


لقد ساهم انتشار العولمة والثورة المعلوماتية والاتصالية والمجتمع الرقمي وانتشار الانترنيت وانتشار التعليم وتوفر المعلومة والوصول إليها بسهولة في بلورة ونضج فكرة المجتمع المدني في الوطن العربي.


هذا الكيان الذي يتكون من مختلف التنظيمات والفعاليات داخل المجتمع يهدف إلى تقاسم السلطة مع الدولة انطلاقا من مبدأ أن عهد الدولة المتسلطة والدكتاتورية والطاغية قد ولى. ومن هنا يتمثل دور المجتمع المدني في خلق توازن بين القوى الاجتماعية وبين المؤسسات الاجتماعية وبين الطبقات الاجتماعية.


كما يعمل المجتمع المدني على إفراز فضاء مستقل مولد لقيم العدالة والمساواة والحرية. فالمجتمع المدني هو فضاء للحرية، يتكون من شبكة العلاقات التي تقوم على الاختيار والاقتناع والحرية، حيث أنه يمنح الأفراد قدرة على النشاط الطوعي الحر.
يعمل المجتمع المدني على تنظيم العلاقات داخل تنظيمات مدنية تحقق استقلالا نسبيا عن الدولة من ناحية وعن قوى السوق من ناحية أخرى. فالحياة المدنية هي الفضاء الطبيعي للعمل الحر الذي تنمو فيه قدرات البشر وإمكانياتهم وقدراتهم على حب الاستقلال ونبذ التسلط والقمع.
يستقي المجتمع المدني قوته من الثقافة المدنية التي تتمحور حول الحرية والمساواة والمواطنة وهي في أساسها قيم عامة تتفرع عنها قيم تؤمن بالتفكير الحر الخلاق والفعل الحر المسؤول والحرية التي تستمد قيمتها من مبدأ الفرد الأخلاقي الذي يؤمن بأن حريته تعني حرية الآخرين.
وأن حرية الفرد لا تسمح له بالانسلاخ من محيطه ومجتمعه وفضائه السياسي والاجتماعي والثقافي ولا تسمح له بالاغتراب عن مبادئه وقيمه حيث أن حريته مستمدة من حرية الآخرين والحرية الفردية هنا هي قيمة مثالية تنتهي إلى قيمة اجتماعية لا تقل عنها أهمية وهي قيمة الترابط الجمعي التي تجعل الأفراد يتصرفون في إطار بيئة تضامنية عضوية تعبر عن روح الجماعة.
فأدوات الاتصال الجماهيري في المجتمع هي التي تنقل ثقافة المجتمع المدني من مستوى الوعي الفردي والجماعي إلى مستوى الوعي العام. وبهذا تصبح الثقافة المدنية جزءا لا يتجزأ من وعي الأمة. هنا يتوجب على وسائل الاتصال الجماهيري أن تقدم خطابا إعلاميا هادفا يحمل في طياته قيما اجتماعية راقية تنبع من المجتمع وقيمه ومبادئه.
وهذا يعني أن المؤسسات الإعلامية عبر البرامج الحوارية والدراما والأفلام والتحقيقات والأخبار يجب أن تعكس هموم وثقافة المجتمع المدني. اغلب ما ينشر في وسائل الاتصال الجماهيري هذه الأيام هو منتجات إعلامية معلبة مستوردة من الخارج تفرز في نهاية المطاف انفصاما في شخصية الفرد العربي الذي يعيش واقعا مختلفا تماما عما يشاهده أو يستهلكه في المؤسسات الإعلامية العربية.
فنشر ثقافة المجتمع المدني بحاجة إلى مؤسسات إعلامية ووسائل اتصال تؤمن بالمجتمع المدني وتؤمن بالمثقف العضوي وبالقيم المجتمعية الأصيلة. فالمشرف على المؤسسة الإعلامية والقائم بالاتصال يجب أن يؤمنا بالمجتمع المدني وبالثقافة المدنية وبرسالة يعملان من أجل تحقيقها لصالح المجتمع بأسره وليس الركض وراء الإعلانات والربح السريع أو العمل لمصلحة أصحاب النفوذ السياسي والمالي في المجتمع.
فوسائل الاتصال الجماهيري هي التي تنتج الوعي الاجتماعي وهي التي تكرس القيم والعادات والتقاليد والنسق القيمي والأخلاقي في المجتمع ومن ثم فهي مطالبة بنشر ثقافة المجتمع المدني.
المؤسسات الإعلامية هي الأدوات التي تنمي الثقافة المدنية وتعمل على نشرها وتقويتها والتصدي لثقافة العنف والتطرف والإقصاء والفردية والمادية ورفض الآخر. فوسائل الاتصال الجماهيري هي الحليف الاستراتيجي للمجتمع المدني وهي الوسيلة الفعالة والأداة الضرورية لتحقيق مبادئه وقيمه في المجتمع.
فمضمون وسائل الاتصال الجماهيري هو الغذاء الروحي والفكري والعقلي للثقافة المدنية وأداء هذه المؤسسات في المجتمع يعتبر سلوكا مدنيا يدعم المجتمع المدني والثقافة المدنية. فالمجتمع المدني في نهاية المطاف هو وعي وثقافة وقيم ومبادئ تترجم إلى سلوك وعمل يومي يؤمن بروح الجماعة والمصلحة العامة.
وقد نتساءل ونقول ما هي القيم والوعي والأفكار التي تقدمها، على سبيل المثال، الفضائيات العربية للمواطن العربي؟ ما هي الإضافات الفكرية والثقافية التي تقدمها هذه الفضائيات للمشاهد العربي؟ أم أن هناك فجوة خطيرة جدا بين الواقع الذي يعيشه المواطن العربي وما ينقل له ويشاهده عبر القنوات الفضائية المختلفة.
يرى عدد من النقاد والباحثين أن ضعف أداء وسائل الإعلام في المجتمع يعود بالدرجة الأولى إلى ضعف المجتمع المدني انطلاقا من مبدأ أن الإعلام هو مرآة عاكسة للوسط الاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي الذي يوجد فيه ويتفاعل معه. فإذا كان المجتمع المدني ضعيفا فهذا ينعكس سلبا على أداء المؤسسات الإعلامية في المجتمع،
فالإعلام القوي والفعال لا ينمو ولا يتطور ويزدهر إلا في مناخ الديمقراطية والحرية والرأي والرأي الآخر، ووجود القوى المضادة والفاعلة في المجتمع التي تراقب وتنتقد وتعمل من أجل مشاركة الجميع في تحقيق المساواة والعدالة في المجتمع وفي جعل كل فرد في المجتمع مسؤولا وواعيا وحرا.
ما زال العالم العربي يعاني من فجوة كبيرة بين الشارع والوسيلة الإعلامية كما أنه يعاني من ضعف المجتمع المدني الذي مازال عاجزا عن التفاعل مع الشارع العربي والمؤسسات الإعلامية العربية بطريقة إيجابية وفعالة.

  • Currently 174/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
58 تصويتات / 3231 مشاهدة
نشرت فى 14 أغسطس 2010 بواسطة masscommunication

ساحة النقاش

masscommunication
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,945,803