عاني الصحافة التليفزيونية بصفة عامة من ظاهرة تدني درجة الانتباه بشكل كبير لدى المشاهدين. ففي المتوسط لا يمكن أن تحافظ على انتباه مشاهد أمريكي أكثر من أربعين ثانية. ربما يكون المشاهد العربي أكثر صبراً، لكن التنافس الشديد بين الفضائيات العربية من جهة و بينها و بين التليفزيونات الحكومية من جهة أخرى يجعل من الصعب تخيل بقاء مشاهد عربي مشدوداً أمام نشرة إخبارية واحدة. عليك إذن أن تهدف إلى إبقاء ذلك المشاهد أمام شاشتك لأطول فترة ممكنة. و لن يتحقق ذلك إلا بالعمل على تقديم أكبر كم ممكن من المعلومات الدقيقة و الجديدة في قالب جذاب و بسيط يفهمه المشاهد. و يعطي قالب التقرير التليفزيوني فرصة كبيرة للصحافيين التليفزيونيين لإنجاز عمل متكامل يمكن أن يحظى باهتمام أكبر قطاع من المشاهدين.

 من طبيعة الاسم، المقدمة "تقدم" التقرير. أي أنها تبرر للمشاهد أسباب وجود التقرير، كما أنها تقوم "بالترويج" للتقرير أو "تجذب" المشاهد للبقاء أمام الشاشة و متابعة التقرير. ببساطة لأنه يتوقع المزيد من الإثارة في التقرير.
المقدمة إذن التي يقرأها المذيع قبل بداية التقرير التليفزيوني تقوم بتسويق التقرير كما يقوم الإعلان بالتسويق للبضائع. و بالتالي أسوأ المقدمات هي تلك التي تسرد النقاط الأساسية في التقرير و "تحرقه" قبل أن يبدأ. كما أن العكس تماماً لايجعل من المقدمة أفضل حالاً، فالمقدمة منبتة الصلة عن التقرير تجعل المشاهد يحاول أن يربط بينها و بين الموضوع و يستغرق ذلك عادة العشر ثوان الأولى من التقرير، و بالتالي أنت تغامر بفقدان انتباه المشاهد خلال بداية التقرير لأنه منشغل بالربط المنطقي بين المقدمة و بين التقرير، هذا إن واصل البقاء أمام الشاشة أصلاً.
و لأنها "تبرر" التقرير فيجب أن تحتوي على معلومة أساسية لها علاقة بالخبر. أي أنها تجيب عن السؤال الأول لدى أي مشاهد: "لماذا هذا الموضوع جدير بالاهتمام؟"، و باختصار يجب أن تحافظ المقدمة على عدد من المعايير:
- أن تكون إخبارية؛ أي تحتوي على معلومة تبرر الموضوع.
- أن تكون مبتكرة؛ أي أن تقدم المعلومة بصورة جديدة مختلفة عن الخبر العادي لأنها تمهد لتقرير من المفترض أن يقدم المزيد.
- أن ترتبط بالتقرير , و لا سيما بالجزء الأول منه لكنها يجب أن تتجنب تكرار ما سيرد في الجزء الأول (الخطأ الشائع في التليفزيونات العربية).
- ألايكتفي المشاهد بالاستماع إليها بمعنى ألا تغني عن التقرير.
- ألا تزيد مدتها على 25 ثانية بأي حال. (يحتاج ذلك الأمر منك إلى الكثير من المهارة أثناء صياغة المقدمات).
- أن تتضمن القليل من الغموض الإيجابي؛ بمعنى أن تثير فضول المشاهد للبقاء بأن تجعله يوقن بأن التقرير يحتوي على الكثير من الإجابات عن الأسئلة التي مازالت تدور في ذهنه.
- أن يتم تطويرها و إعادة صياغتها باستمرار إن كنت تعمل في قناة إخبارية تبث على مدار الساعة. فليس هناك أسوأ من المقدمة المكررة حتى لو كُتبت بعناية.
و ربما تجدر الإشارة هنا إلى سبب آخر أساسي للتطوير هو تلاحق و تسارع الأخبار بحيث أصبح من الصعب بقاء المقدمة الإخبارية صالحة لمدة طويلة خاصة في حالة الموضوعات الخبرية الساخنة.
مثال على مقدمة جيدة:
[PRESٍS IN VISION]

[VT NEXT]


"حتى قبيل سريان الهدنة المتوقعة في النجف، بدأت القوات الأميركية التي تسيطر على قلب المدينة، حملة اعتقالات لمن تعتقد أنهم من أنصار مقتدى الصدر....".
أو
"اعتقالات بالعشرات نفذتها القوات الأميركية المسيطرة على قلب مدينة النجف لمن تعتقد أنهم القوة الدافعة لحركة المعارضة المسلحة التي يقودها الزعيم الشاب. مقتدى الصدر لم يكن بمنزله عندما اقتحمته قوة عسكرية أميركية قبيل سريان الهدنة بأقل من ساعة...".


لاحظ هنا الربط المنطقي بين المقدمة و أولى فقرات التقرير، و لاحظ كذلك أن المقدمة أثارت رغبة المشاهد، ربما، في معرفة لماذا قد تؤدي الاعتقالات إلى انهيار الهدنة.
بداية المقدمة جاءت غير تقليدية، حاولت أن تبرز أهمية الهدنة (لأنها تأتي بعد أسبوع من المعارك أدت إلى مقتل نحو مائتين و جرح أكثر من ألف و خمسمئة).

في الموضوعات السياسية البحتة مثل المثال السابق قد يصعب الإبداع في كتابة المقدمة أكثر من ذلك. لكن بالتأكيد في الموضوعات الاجتماعية و الثقافية و الرياضية و ما شابه، يمكنك أن تحلق في آفاق رحبة للكتابة غير التقليدية.

مثال:
انطلقت في أم درمان فعاليات ماراثون النيل الخامس عشر تحت رعاية وزير الرياضة ...، و من المقرر أن تتوقف حركة السير في شوارع المدينة خلال فترة الظهيرة لتسهيل تحرك المتسابقين. و سوف يُمنح الفائزون الثلاثة الأول ميدالية النيل و تذاكر سفر لحضور أولومبياد أثينا.

من الممكن أن تكون القصة شيقة... لكن ما رأيك لو حاولت تغيير نمط الكتابة قليلاً.

من أم درمان إلى أثينا يتطلع الأوائل الثلاثة لماراثون النيل الذي يبدأ بعد ظهر اليوم. بالإضافة إلى تذاكر السفر لحضور الألعاب الأوليمبية، سينال كل منهم ميدالية النيل. سكان أم درمان يمكنهم الاستمتاع بمتابعة السباق فشوارع المدينة ستُغلق خلال الظهيرة.
عندما سُئل الرئيس الأميركي الأسبق وودرو ويلسون عن المدة التي يحتاجها لإعداد خطاباته، أجاب : "الأمر يعتمد على مدة الخطاب... إن كان عشر دقائق، أحتاج أسبوعاً. إن كان خمس عشرة دقيقة قد أحتاج ثلاثة ايام... و إن كان لنصف الساعة يتطلب الأمر يومين من الإعداد... أما إن كان الخطاب مدته ساعة، فأنا مستعد الآن...".
ربما قد يجد الرؤساء مشكلة حقيقة في التعبير عن أفكارهم في المدة المُفترضة للتقرير التليفزيوني، التي يجب ألا تزيد عن 3 دقائق. و يعكس ذلك حقيقة أنه كلما احتاجت الفكرة للتوضيح في دقائق معدودة، كلما احتاجت لمزيد من الجهد لإعدادها بصورة مرضية، و بالطبع كلما ازدادت عملية الإعداد صعوبة و تعقيداً.
و هنا يكمن التحدي الذي تواجهه عملية إعداد التقرير التليفزيوني: كيف يمكنك أن تروي موضوعات معقدة لجمهور لا تعرفه و لا تراه، بصورة تجعله مندمجاً و منفعلاً معك في مدة قصيرة جداً لا تتعدى الدقائق الثلاث.
لكن لا تتشائم... فمكونات العمل التليفزيوني من صوت و صورة و كلمات، إضافة إلى الوجود الميداني في موقع الحدث؛ تقدم أدوات كافية إن أحسنت استغلالها لتحقيق تلك الغاية.
و التقرير التليفزيوني الجيد عليه الإجابة عن تساؤلات المشاهد التالية:
• ماذا حدث؟
• ما التطورات الأخيرة لما حدث؟
• ما القضايا التي يجب عليّ أن أفهمها للربط بين تلك التطورات؟
• لماذا يُعتبر ما حدث مهماً؟
• و ما الذي يعنيني من كل ذلك؟
لكي تنجح في تقديم إجابات عن تلك الأسئلة عليك أولاً أن تلم بها، ثم عليك أن تتمكن من نقلها إلى المشاهد بطريقة جذابة و سهلة.

  • Currently 60/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
20 تصويتات / 856 مشاهدة
نشرت فى 22 أغسطس 2010 بواسطة masscommunication

ساحة النقاش

masscommunication
»
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,919,638